ﯛﯜﯝ

قوله : فَأَثَرْنَ . عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلة ل «أل ».
قال الزمخشريُّ١ :«معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل ؛ إذ الأصل : واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن ».
قوله : بِهِ . في الهاء أوجه :
أحدها : أنه ضمير الصبح، أي : فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن ؛ لأنه مذكور بالتصريح.
الثاني : أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر ؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجر له ذكر بالصريح، كقوله تعالى : حتى تَوَارَتْ بالحجاب [ ص : ٣٢ ]. وفي عبارة الزمخشري :«وقيل : الضمير لمكان الغارةِ »، وهذا على تلك اللغيَّة، وإلا فالفصيح أن تقول : الإغارة.
الثالث : أنه ضمير العدو الذي دل عليه «والعَادِيَاتِ ».
وقرأ العامة : بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه مع ارتفاع.
وقرأ أبو حيوة، وابن٢ أبي عبلة : بتشديدها.
وخرجه الزمخشري٣ على وجهين :
الأول : بمعنى فأظهرن به غباراً ؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار.
الثاني : قلب «ثورن » إلى «وثَرْنَ »، وقلب الواو همزة انتهى.
يعني : الأصل «ثَوّرنَ » من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك : أثاره، ثم قلب الكلمة بأن جعل العين -وهي الواو - موضع الفاء -وهي الثاء-، ووزنها حينئذ «عفلن »، ثم قلب الواو همزة، فصار :«أثَرْنَ »، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ ك «أحد وأناة ». والنقع : الغبار.
وأنشد :[ البسيط ]

٥٢٧٤- يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ النقع دَائمَةً كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ٤
وقال ابن رواحة :[ الوافر ]
٥٢٧٥- عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ٥
وقال أبو عبيدة : النقع، رفع الصوت ؛ قال لبيدٌ :[ الرمل ]
٥٢٧٦- فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ٦
يروى :«يجلبوها » أيضاً، يقول : متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي : جمعوا لها، وقوله :«ينقع صراخ » يعني رفع الصوت.
قال الزمخشري٧ : ويجوز أن يراد بالنَّقع : الصياح، من قوله عليه الصلاة والسلام :«لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ »٨.
وقول لبيد :[ الرمل ]
٥٢٧٧- *** فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ***٩
أي : فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة.
وقال أبو عبيد : وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى «في »، ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم.
وقال الكسائيُّ : قوله :«نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ » النّقع : صنعة الطعام، يعني في المأتم، يقال منه : نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد : ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء : صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم.
وقال بعضهم : يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس، فذهب إلى أن النقع هو التراب.
قال القرطبي١٠ : ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال : يسفكن من دموعهن وهن جلوس.
قال بعضهم : النقع : شق الجيوب، قال : وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة : فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً.
[ قال محمد بن كعب القرظي : النقع بين «مزدلفة » إلى «منى »١١.
وقيل : إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع.
وفي «الصحاح »١٢ النقع الغبار، والجمع : النقاع، والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه.
وفي الحديث : أنه نهى أن يمنع نقع١٣ البئر.
والنقع : الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع : نقاع وأنقع، مثل : بحار وبحر وأبحر ]١٤.
١ الكشاف ٤/٧٨٨..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥١٤، والبحر المحيط ٨//٥٠١، والدر المصون ٦/٥٥٩..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٧٨٧..
٤ قائله هو عدي بن الرقاع العاملي ينظر سمط اللآلىء ٢/٢٧٦، والاقتضاب ص ٣٢٢، والأمالي ٢/٢٧٤، والبحر ٨/٤٩٩، والدر المصون ٦/٥٥٩..
٥ ينظر القرطبي ٢/١٠٨، والبحر ٨/٤٩٩، والدر المصون ٦/٥٥٩، وفتح القدير ٥/٤٨٢..
٦ ينظر ديوان لبيد ص ١٤٦، والكامل ١/٣٣١، والكشاف ٤/٧٨٧، والاقتضاب ص ٤١٩، والأضداد للأصمعي ص ٥٤، والبحر ٨/٥٠٠، واللسان (نقع)، والدر المصون ٦/٥٥٩..
٧ ينظر: الكشاف ٤/٧٨٧..
٨ ذكره الحافظ ابن حجر في "تخريج الكشاف" (٤/٧٨٧)، وقال: لم أجده مرفوعا، وإنما ذكره البخاري في الجنائز تعليقا عن عمر قال: "دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة"، قال: والنقع التراب على الرأس واللقلقة الصوت. ووصله عبد الرزاق والحاكم وابن سعد وأبو عبيد الحربي في الغريب كلهم من طريق الأعمش عن أبي وائل قال: "وقيل لعمر: إن نسوة من بني المغيرة قد اجتعمن في دار خالد بن الوليد يبكين عليه وإنا نكره أن يؤذينك فلو نهيتهن فقال: ما عليهن أن يهرقن من دموعهن على أبي سليمان سجلا أو سجلين ما لم يكن نقع أو لقلقة" وفي رواية ابن سعد قال وكيع: النقع الشق، واللقلقة الصوت. وقال بعضهم: رفع التراب على الرأس وشق الجيوب. وأما اللقلقة فهي شدة الصوت ولم أسمع فيه خلافا وقال الحربي عن الأصمعي النقع الصياح. وعن أبي سلمة هو وضع التراب على الرأس..
٩ تقدم..
١٠ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١٠٨..
١١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٠٨)، عن محمد بن كعب القرطبي..
١٢ ينظر الصحاح ٣/١٢٩٢..
١٣ أخرجه ابن ماجه (٢/٨٢٨)، كتاب: الرهون، باب: النهي عن منع فضل الماء ليمنع به الكلآ حديث (٢٤٧٩)، من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نقع البئر..
١٤ سقط من: ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية