بسم الله الرّحمن الرّحيم
سورة العادياتوهي مكية في قول جماعة من أهل العلم، وقال المهدوي عن أنس بن مالك: وهي مدنية.
قوله عز وجل:
[سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤)فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩)
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
اختلف الناس في المراد: ب الْعادِياتِ، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: أراد الخيل لأنها تعدو بالفرسان وتصيح بأصواتها، قال بعضهم: وسببها أن رسول الله ﷺ بعث خيلا إلى بني كنانة سرية فأبطأ أمرها عليه حتى أرجف بهم بعض المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله عليه السلام قد فعلت جميع ما في الآية، وقال آخرون: القسم هو بالخيل جملة لأنها تعدو ضابحة قديما وحديثا، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن عمير: الْعادِياتِ في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال علي: والقسم بالإبل العاديات من عرفة ومن مزدلفة إذا وقع الحاج وبإبل غزوة بدر فإنه لم يكن في الغزوة غير فرسين: فرس المقداد وفرس الزبير بن العوام، والضبح: تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعتاد من صوت الحيوان الذي يضبح. وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ليس يضبح من الحيوان غير الخيل والكلاب، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وذلك أن الإبل تضبح والأسود من الحيات والبوم والصدى والأرنب والثعلب، والقوس هذه كلها قد استعملت لها العرب الضبح، وأنشد أبو حنيفة في صفة قوس: [الرجز]
| حنانة من نشم أو تالب | تضبح في الكف ضباح الثعلب |
الموريات قَدْحاً: هي الألسن، فهذا على الاستعارة أي ببيانها تقدح الحجج وتظهرها. وقال مجاهد:
الموريات قَدْحاً، يريد به مكر الرجال، وقال قتادة: «الموريات»، الخيل تشعل الحرب، فهذا أيضا على الاستعارة البينة، وقال ابن عباس أيضا وجماعة من العلماء: الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه نارا، وذلك شائع في الأمم طول الدهر وهو نفع عظيم من الله تعالى، وقد وقف عليه في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [الواقعة: ٧١] معناه: تظهرون بالقدح، قال عدي بن زيد:
[الخفيف]
| فقدحنا زنادا وورينا | فوق جرثومة من الأرض نار |
| يخرجن من مستطير النقع دامية | كأن آذانها أطراف أقلام |
| فوسطن جمعهم وأفلت حاجب | تحت العجاجة في الغبار الأقتم |
| إن تفتني فلم أطب بك نفسا | غير أني أمنى بدهر كنود |
المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه، فهو شاهد على نفسه بذلك، وهذا قول الحسن ومجاهد، والضمير في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ عائد على «الإنسان» لا غير، والمعنى من أجل حب الخير إنه لَشَدِيدٌ، أي بخيل بالمال ضابط له، ومنه قول الشاعر [طرفة بن العبد] :[الطويل]
| أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي | عقيلة مال الفاحش المتشدد |
«وبحثرت القبور»، و «تحصيل ما في الصدور» : تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم»، وقرأ يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم: بفتح الحاء والصاد، ثم استؤنف في الخبر الصادق، الجزم بأن الله تعالى خبير بهم يَوْمَئِذٍ، لكن خصص يَوْمَئِذٍ لأنه يوم المجازاة، فإليه طمحت النفوس، وهذا وعيد مصرح.
نجز تفسير سورة «العاديات». صفحة رقم 515
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد