قوله: لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ : في متعلَّقِ هذه اللامِ، أوجهٌ، أحدُها: أنه ما في السورةِ قبلَها مِنْ قولِه فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ [قريش: ٥]. قال الزمخشري: «وهذا بمنزلةِ التَّضْمينِ في الشِّعْرِ» وهو أَنْ يتعلَّقَ معنى البيتِ بالذي قبلَه تَعَلُّقاً لا يَصِحُ إلاَّ به، وهما في مصحفِ أُبَي سورةٌ واحدٍ بلا فَصْلٍ. وعن عُمَرَ أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب وفي الأولى بسورةِ «والتين» انتهى. وإلى هذا ذهبَ أبو الحسنِ الأخفشُ إلاَّ أنَّ الحوفيَّ قال: «ورَدَّ هذا القولَ جماعةٌ: بأنَّه لو كان كذا لكان» لإِيلافِ «بعضَ سورةِ» ألم تَرَ «وفي إجماعِ الجميعِ على الفَصْلِ بينهما ما يدلُّ على عَدَمِ ذلك»
الثاني: أنَّه مضمرٌ تقديرُه: فَعَلْنا ذلك، أي: إهلاكَ أصحابِ الفيل لإِيلافِ قريش. وقيل: تقديرُه اعْجَبوا. الثالث: أنه قولُه «فَلْيَعْبُدوا».
وإنما دَخَلَتْ الفاءُ لِما في الكلامِ مِنْ معنى الشرطِ، أي: فإنْ لم يَعْبُدوه لسائرِ نِعَمِه فَلْيَعْبدوه لإِيلافِهم فإنَّها أَظْهَرُ نعمِهِ عليهم، قاله الزمخشري وهو قولُ الخليلِ قبلَه.
وقرأ ابن عامر «لإِلافِ» دونَ ياءٍ قبل اللامِ الثانيةِ، والباقون «لإِيلافِ» بياءٍ قبلَها، وأَجْمَعَ الكلُّ على إثبات الياءِ في الثاني، وهو «إيلافِهِمْ» ومِنْ غريبِ ما اتَّفَق في هذَيْن الحرفَيْنِ أنَّ القرَّاءَ اختلفوا في سقوطِ الياءِ وثبوتِها في الأولِ، مع اتفاقِ المصاحفِ على إثباتِها خَطَّاً، واتفقوا على إثباتِ الياءِ في الثاني مع اتفاقِ المصاحفِ على سقوطِها فيه خَطَّاً، فهو أَدَلُّ دليلٍ على أنَّ القُرَّاءَ مُتَّبِعون الأثَر والروايةَ لا مجرَّدَ الخطِّ.
فأمَّا قراءةُ ابنِ عامرٍ ففيها وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ ل أَلِف ثلاثياً يُقال: أَلِفْتُه إلافاً، نحو: كتبتُه كِتاباً، يُقال: أَلِفْتُه إلْفاً وإلافاً. وقد جَمَعَ الشاعرُ بينَهما في قولِه:
| ٤٦٤٧ - زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ | لهم إلْفٌ وليس لكُمْ إلافُ |
الزمخشري: «أي: لمُؤالَفَةِ قريشٍ».
وأمَّا قراءةُ الباقين فمصدرُ آلَفَ رباعياً بزنةِ أَكْرَم يقال: آلَفْتُه أُوْلِفُه إيْلافاً. قال الشاعر:
| ٤٦٤٨ - مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلِ أَدْماءُ حُرَّةٍ | شعاعُ الضُّحى في مَتْنِها يَتَوضَّحُ |
أَأَنذَرْتَهُمْ [البقرة: ٦]. صفحة رقم 113
وقرأ أبو جعفر «لإِلْفِ قُرَيْشٍ» بزنة قِرْد. وقد تقدَم أنه مصدرٌ لأَلِفَ كقوله:
| ٤٦٤٩ -................. | لهم إلْفٌ وليس لكم إلافُ |
وقُرَيْش اسمٌ لقبيلةٍ. قيل: هم وَلَدُ النَّضْرِ بنِ كِنانَةَ، وكلُّ مَنْ وَلَدُه النَّضْرُ فهو قُرَشِيٌّ دونَ كِنانةَ، وهو الصحيحُ وقيل: هم وَلَدُ فِهْرِ بن مالك ابن النَّضْر بنِ كِنانةَ. فَمَنْ لم يَلِدْه فِهْرٌ فليس بقُرَشيٍّ، فوقع الوِفاقُ على أنَّ بني فِهْرٍ قرشيُّون. وعلى أنًَّ كنانةَ ليسوا بقرشيين. ووقع الخلافُ في النَّضْر ومالكٍ.
واخْتُلِفَ في اشتقاقِه على أوجه، أحدها: أنه من التَّقَرُّشِ وهو التجمُّعُ سُمُّوا بذلك لاجتماعِهم بعد افتراقِهم. قال الشاعر:
| ٤٦٥٠ - أبونا قُصَيُّ كان يدعى مُجَمِّعاً | به جَمَّعَ اللَّهُ القبائلَ مِنْ فِهْرِ |
| ٤٦٥١ - أيُّها الشامِتُ المُقَرِّشُ عنا | عند عمروٍ فهَلْ له إبْقاءُ |
| ٤٦٥٢ - وَقُرَيْشٌ هي التي تَسْكُنُ البَحْ | رَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا |
| تأكلُ الغَثَّ والسَّمينَ ولا تَتْ | رُكُ فيها لذي جناحَيْنِ رِيشا |
| هكذا في البلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ | يأكلونَ البلادَ أكْلاً كَميشا |
| ولهم آخِرَ الزمان نَبيٌّ | يُكْثِرُ القَتْلَ فيهمُ والخُموشا |
| ٤٦٥ - ٣- غَلَبَ المَساميحَ الوليدُ سَماحةً | وكفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها |
قوله: إِيلاَفِهِمْ مُؤَكِّدٌ للأولِ تأكيداً لفظياً؛ ولذلك اتّصَلَ بضميرِ ما أُضيف إليه الأولُ كما تقولَ: لِقيامِ زيدٍ لقيامِه أكرمْتُه «وأعربه أبو البقاء بدلاً والأول أولى.
قوله: رِحْلَةَ معفولٌ به بالمصدرِ، والمصدرُ مضافٌ لفاعِله، أي: لأَنْ أَلِفوا رحلةَ. والأصلُ: رحلَتْي الشتاءِ والصيفِ، ولكنه أُفْرِدَ لأَمْنِ اللَّبْسِ كقولِه: صفحة رقم 116
| ٤٦٥٤ - كُلوا في بَعْضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا | ........................... |
| ٤٦٥٥ - حَمامةً بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمي | ....................... |
والشتاءُ لامُه واوٌ لقولِهم: الشَّتْوَةُ وشتا يَشْتُو. وشَذُّوا في النسبِ إليه فقالوا فيه: شَتَوِيّ. والقياس: شِتائيّ أو شِتاويّ ككِسائيّ وكِساوِيّ. صفحة رقم 117
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط