وقيل في البرزخ بين الدنيا والآخرة وقيل: في المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولهم إنما هو زمرا بعد زمر وقيل: الاستثناء من قوله: فَفِي النَّارِ كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير عن ذلك، وهذا قول رواه أبو نضرة عن جابر أو عن أبي سعيد الخدري.
ثم أخبر منبها على قدرة الله تعالى بقوله: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم- في رواية أبي بكر- «سعدوا» بفتح السين، وهو فعل لا يتعدى وقرأ حمزة والكسائي وعاصم- في رواية حفص- «سعدوا» بضم السين، وهي شاذة ولا حجة في قولهم: مسعود، لأنه مفعول من أسعد على حذف الزيادة كما يقال: محبوب، من أحب، ومجنون من أجنه الله، وقد قيل في مسعود: إنما أصله الوصف للمكان، يقال: مكان مسعود فيه ثم نقل إلى التسمية به وذكر أن الفراء حكى أن هذيلا تقول: سعده الله بمعنى أسعده. وبضم السين قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش.
والأقوال المترتبة في استثناء التي قبل هذه تترتب هاهنا إلا تأويل من قال: هو استثناء المدة التي تخرب فيها جهنم، فإنه لا يترتب مثله في هذه الآية، ويزيد هنا قول: أن يكون الاستثناء في المدة التي يقيمها العصاة في النار ولا يترتب أيضا تأويل من قال في تلك: إن الاستثناء هو من قوله: فَفِي النَّارِ.
وقوله: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، نصب على المصدر، و «المجذوذ» : المقطوع. و «الجذ» : القطع وكذلك «الجد» وكذلك «الحز».
قوله عز وجل:
[سورة هود (١١) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)
لفظ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى له ولأمته، ولم يقع لأحد شك فيقع عنه نهي ولكن من فصاحة القول في بيان ضلالة الكفرة إخراجه في هذه العبارة، أي حالهم أوضح من أن يمترى فيها، وال مِرْيَةٍ: الشك، وهؤُلاءِ إشارة إلى كفار العرب عبدة الأصنام ثم قال: ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ. المعنى: أنهم مقلدون لا برهان عندهم ولا حجة، وإنما عبادتهم تشبها منهم بآبائهم لا عن بصيرة وقوله: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ وعيد، ومعناه: العقوبة التي تقتضيها أعمالهم، ويظهر من قوله: غَيْرَ مَنْقُوصٍ أن على الأولين كفلا من كفر الآخرين.
وقرأ الجمهور «لموفّوهم» بفتح الواو وشد الفاء، وقرأ ابن محيصن «لموفوهم» بسكون الواو وتخفيف الفاء.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الآية، تسلية لمحمد ﷺ وذكر قصة موسى مثل له، أي لا يعظم عليك أمر من كذبك، فهذه هي سيرة الأمم، فقد جاء موسى، بكتاب فاختلف الناس عليه.
وقوله: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلى آخر الآية، يحتمل أن يريد به أمة موسى، ويحتمل أن يريد به معاصري محمد عليه السّلام وأن يعمهم اللفظ أحسن- عندي- ويؤكد ذلك قوله: وَإِنَّ كُلًّا و «الكلمة» هاهنا عبارة عن الحكم والقضاء والمعنى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي لفصل بين المؤمن والكافر، بنعيم هذا وعذاب هذا.... ووصف «الشك» بالمريب تقوية لمعنى الشك.
وقرأ الكسائي وأبو عمرو: «وإنّ كلّا لما» بتشديد النون وتخفيف الميم من لَمَّا وقرأ ابن كثير ونافع بتخفيفهما، وقرأ حمزة بتشديدهما، وكذلك حفص عن عاصم وقرأ عاصم- في رواية أبي بكر- بتخفيف «إن» وتشديد الميم من «لمّا» وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: «وإن كلّا لمّا» بتشديد الميم وتنوينها.
وقرأ الحسن بخلاف: «وإن كلّ لما» بتخفيف «إن» ورفع «كلّ» وشد «لمّا» وكذلك قرأ أبان بن تغلب إلا أنه خفف «لما»، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود «وإن كل إلا ليوفينهم» وهي قراءة الأعمش، قال أبو حاتم:
الذي في مصحف أبيّ: «وإن من كل إلا ليوفينهم أعمالهم». فأما الأول ف «إن» فيها على بابها، و «كلّا» اسمها، وعرفها أن تدخل على خبرها لام. وفي الكلام قسم تدخل لامه أيضا على خبر «إن» فلما اجتمع لامان فصل بينهما ب «ما» - هذا قول أبي علي- والخبر في قوله لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وقال بعض النحاة: يصح أن تكون «ما» خبر «إن» وهي لمن يعقل لأنه موضع جنس وصنف، فهي بمنزلة من، كأنه قال: وإن كلّا لخلق ليوفينهم ورجح الطبري هذا واختاره، اما أنه يلزم القول أن تكون «ما» موصوفة إذ هي نكرة، كما قالوا:
مررت بما معجب لك، وينفصل بأن قوله: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ يقوم معناه مقام الصفة، لأن المعنى: وإن كلّا لخلق موفى عمله، وأما من خففها- وهي القراءة الثانية في ترتيبنا فحكم «إن» وهي مخففة حكمها مثقلة، وتلك لغة فصيحة، حكى سيبويه أن الثقة أخبره: أنه سمع بعض العرب يقول: إن عمرا لمنطلق وهو نحو قول الشاعر:
ووجه مشرق النحر... كأن ثدييه حقان
رواه أبو زيد.
ويكون القول في فصل «ما» بين اللامين حسبما تقدم، ويدخلها القول الآخر من أن تكون «ما» خبر «إن» وأما من شددهما أو خفف «إن» وشدد «الميم» ففي قراءتيهما إشكال، وذلك أن بعض الناس قال: إن «لما» بمعنى إلا، كما تقول: سألتك لما فعلت كذا وكذا بمعنى إلا فعلت قال أبو علي: وهذا ضعيف لأن «لما» هذه لا تفارق القسم، وقال بعض الناس: المعنى لمن ما أبدلت النون ميما، وأدغمت في التي بعدها فبقي «لمما» فحذفت الأولى تخفيفا لاجتماع الأمثلة، كما قرأ بعض القراء وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ [النحل: ٩٠] به بحذف الياء مع الياء وكما قال الشاعر:
وأشمت العداة بنا فأضحوا... لدى يتباشرون بما لقينا
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد