ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( ١١٥ ) :
وجاءت كلمة " اصبر " لتخدم كل عمليات الاستقامة.
وكذلك يقول الحق سبحانه : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر.. ١( ١٣٢ ) [ طه ] : والصبر نوعان : صبر " على "، وصبر " عن " وفي الطاعات يكون الصبر على مشقة الطاعة، مثل صبرك على أن تقوم من النوم لتصلي الفجر، وفي اتقاء المعاصي يكون الصبر عن الشهوات.
وهكذا نعلم أن الصبر على إطلاقه مطلوب في الأمرين : في الإيجاب للطاعة، وفي السلب عن المعصية.
ونحن نعلم أن الجنة حفت٢ بالمكاره ؛ فاصبر على المكاره، وحفت النار بالشهوات ؛ فاصبر عنها٣.
وافرض أن واحدا يرغب في أكل اللحم، ولكنه لا يملك ثمنها، فهو يصبر عنها ؛ ولا يستدين.
ولذلك يقول الزهاد : ليس هناك شيء اسمه غلاء، ولكن هناك شيء اسمه رخص النفس.
ولذلك نجد من يقول : إذا غلا شيء علي تركته، وسيكون أرخص ما يكون إذا غلا.
والحق سبحانه يقول : واصبر٤ على ما أصابك.. ( ١٧ ) [ لقمان ]، وهنا يقول الحق سبحانه : واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( ١١٥ ) [ هود ] : وهم الذين أدخلوا أنفسهم في مقام الإحسان، وهو أن يلزم الواحد منهم نفسه بجنس ما فرض الله فوق ما فرض الله، من صلاة أو صيام، أو زكاة، أو حج لبيت الله ؛ لأن العبادة ليست اقتراحا من عابد لمعبود، بل المعبود هو الذي يحدد ما يقربك إليه.
وحاول ألا تدخل في مقام الإحسان نذرا٥ ؛ لأنه قد يشق عليك أن تقوم بما نذرته، واجعل زمان الاختيار والتطوع في يدك ؛ حتى لا تدخل مع الله في ود إحساني ثم تفتر عنه، وكأنك –والعياذ بالله- قد جربت مودة الله تعالى، فلم تجده أهلا لها، وفي هذا طغيان منك.
وإذا رأيت إشراقات فيوضات على من دخل مقام الإحسان تنكرها عليه، وإلا لسويت بين من وقف عند ما فرض عليه، وبين من تجاوز ما فرض عليه من جنس ما فرض الله.
وجرب ذلك في نفسك، والتزم أمر الله باحترام مواقيت الصلاة، وقم لتصلي الفجر في المسجد، ثم احرص على أن تتقن عملك، وحين يجيء الظهر ثم إلى الصلاة في المسجد، وحاول أن تزيد من ركعات السنة، وستجد أن كثافة الظلمانية قد رقت في أعماقك، وامتلأت بإشراقات نورانية تفوق إدراكات الحواس، ولذلك لا تستكثر على من يرتاض٦ هذه الرياضة الروحية، حين تجد الحق سبحانه قد أنار بصيرته بتجليات من وسائل إدراك وشفافية، ولذلك لا نجد واحدا من أهل النور والإشراق يدعي ما ليس له، والواحد منهم قد يعلم أشياء عن إنسان آخر غير ملتزم، ولا يعلنها له ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد خصه بأشياء وصفات لا يجب أن يضعها موضع التباهي والمراءاة.
وحين عرض الحق سبحانه هذه القضية أراد أن يضع حدودا للمرتاض ولغير المرتاض، في قصة موسى عليه السلام حينما وجد موسى وفتاه عبدا صالحا، ووصف الحق سبحانه العبد الصالح بقوله تعالى : .. عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا٧ علما ( ٦٥ ) [ الكهف ].
وقال العبد الصالح لموسى عليه السلام : .. إنك لن تستطيع معي صبرا ( ٦٧ ) [ الكهف ] : وبين العبد الصالح لموسى- بمنتهى الأدب- عذره في عدم الصبر، وقال له : وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا٨ ( ٦٨ ) [ الكهف ].
ورد موسى عليه السلام : .. ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمر ( ٦٩ ) [ الكهف ].
فقال العبد الصالح : .. فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا٩ ( ٧٠ ) [ الكهف ] : ولكن الأحداث توالت ؛ فلم يصبر موسى ؛ فقال له العبد الصالح : هذا فراق بيني وبينك.. ( ٧٨ ) [ الكهف ] : وهذا حكم أزلي بأن المرتاض للرياضة الروحية، ودخل مقام الإحسان لا يمكن أن يلتقي مع غيره المرتاض على ذلك، وليلزم غير المرتاض الأدب مثلما يلتزم المرتاض الأدب، ويقدم العذر في أن ينكر عليه غير المرتاض معرفة ما لا يعرفه.
ولو أن المرتاض قد عذر غير المرتاض، ولو أن غير المرتاض تأدب مع المرتاض لاستقر ميزان الكون.
والحق سبحانه يبين لنا مقام الإحسان وأجر المحسنين، في قوله تعالى : إن المتقين في جنات وعيون ( ١٥ ) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ( ١٦ ) [ الذاريات ].
ويبين الحق سبحانه لنا مدارج الإحسان، وأنها من جنس ما فرض الله تعالى، في قوله سبحانه : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون١٠ ( ١٧ ) [ الذاريات ].
والحق سبحانه لم يكلف في الإسلام ألا يهجع المسلم إلا قليلا من الليل، وللمسلم أن يصلي العشاء، وينام إلى الفجر.
وتستمر مدارج الإحسان، فيقول الحق سبحانه : وبالأسحار١١ وهم يستغفرون( ١٨ ) [ الذاريات ] : والحق سبحانه لم يكلف المسلم بذلك، ولكن الذي يرغب في الارتقاء إلى مقام الإحسان يفعل ذلك.
ويقول الحق سبحانه أيضا : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم١٢ ( ١٩ ) [ الذاريات ] : ولم يحدد الحق سبحانه هنا هذا الحق بأنه حق معلوم، بل جعله حقا غير معلوم أو محدد، والله سبحانه لم يفرض على المسلم إلا الزكاة، ولكن من يرغب في مقام الإحسان فهو يبذل من ماله للسائل والمحروم.
وهكذا يدخل المؤمن إلى مقام الإحسان، ليود الحق سبحانه.
ولله المثل الأعلى : نحن نجد الإنسان حين يوده غيره ؛ فهو يعطيه من خصوصياته، ويفيض عليه من مواهبه الفائضة، علما، أو مالا، فما بالنا بمن يدخل في ود مع الله سبحانه وتعالى.

١ - اصطبر: على وزن افتعل، ويفيد زيادة الصبر والتحمل. قال تعالى:وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها(١٣٢) [طه] وقال تعالى: فاعبده واصطبر لعبادته(٦٥) [مريم] وقال تعالى: إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر(٢٧) [القمر]. [القاموس القويم: مادة (صبر) بتصرف..
٢ - حف القوم بالبيت، أو من حوله: أطافوا به وأحدقوا حوله. قال تعالى: وحففناهما بنخل..(٣٢) [الكهف] أي: جعلنا النخل يحيط بالجنتين. [القاموس القويم: مادة [حفف]].
وحف الشيء حفا وحفافا: استدار حوله وأحدق به. ويقال: حف الشيء بالشيء وحوله. ومن حوله. [المعجم الوسيط: مادة [حفف]]..

٣ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٨٢٢] قال النووي في شرحه: (أما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة والإحسان إلى المسيء والصبر عن الشهوات، وأما الشهوات التي النار محفوفة بها فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والنظر إلى الأجنبية والغيبة واستعمال الملاهي ونحو ذلك، وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها مخافة أن يجر إلى الشهوات المحرمة أو يقسي القلب أو ينشغل عن الطاعات أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها".
٤ - والصبر إما أن يكون على المأمورات، وهي الطاعة، وإما صبر على المحذورات، وهي النواهي، وإما صبر على المقدورات، وهذا الصبر على القضاء والقدر فإذا تحقق الثلاثة كنت من أهل الفلاح، مصداقا لقول الحق يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (٢٠٠) [آل عمران]..
٥ - عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل) أخرجه مسلم في صحيحه ١٦٤٠] والترمذي في سننه [١٥٣٨] وكذا النسائي [٧/١٧] قال النووي في شرحه: (معناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعا محضا مبتدأ وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء المريض وغيره مما تعلق النذر عليه)..
٦ -راضه روضا ورياضا ورياضة، ذلله. يقال: راض المهر، وراض نفسه بالتقوى، وراض القوافي الصعبة، وارتاض صار مروضا، يقال: ارتاض المهر: ذل، وارتاضت القوافي، ذللت والرياضة- عند الصوفية- تهذيب الأخلاق النفسية بملازمة العبادات والتخلي عن الشهوات [المعجم الوسيط: مادة [روض]] بتصرف..
٧ - لدن: ظرف مكان، أو ظرف زمان، بمعنى [عند] مبني على السكون، وإذا أضيف إلى ياء المتكلم فصلت بينهما نون الوقائية وأدغمت في نونها مثل قوله تعالى: {.. قد بلغت من لدني عذرا (٧٦) [الكهف]، وجاءت مضافة إلى ضمير المخاطب في قوله تعالى: وهب لنا من لدنك رحمة..(٨) [آل عمران]، وإلى ضمير المتكلمين [نا] في قوله تعالى: .. وعلمناه من لدنا علما (٦٥) [الكهف]، وتضاف إلى ضمير الغائب كقوله تعالى: ليذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين..(٢) [الكهف] [القاموس القويم: مادة [لدن]]..

٨ - خبر الأمر، وخبر بالأمر، مثل: علمه، وعلم به- وزنا ومعنى- فهو به خبير، قال تعالى: .. فاسأل به خبير (٥٩) [الفرقان]. وقال تعالى: سآتيكم منها بخبر..(٧) [النمل] أي: بنبأ. وقال تعالى: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (٦٨) [الكهف] أي: علما. [القاموس القويم: مادة [خبر]]..
٩ - الذكر: القرآن والكتب المنزلة كلها، قال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحافظون (٩) [الحجر] هو القرآن الكريم. وقال تعالى: ذكر رحمة ربك عبده زكريا(٢) [مريم] أي: قصة رحمة الله لعبده زكريا وقال تعالى: ورفعنا لك ذكرك(٤) [الشرح] أي: شرفك وحديث الناس عنك بالخير. [القاموس القويم: مادة (ذكر) ].
وجاء في [مختصر تفسير الطبري: ص ٣٣٧] في تفسير هذه الآية :حتى أحدث لك منه ذكرا..(٧٠) [الكهف].. يقول: "حتى أذكر" أن لك ما ترى من الأفعال التي أفعلها وتستنكرها أنت، وأبين لك شأنها، وأبتدئك الخبر عنها"..

١٠ - هجع يهجع هجوع: نام ليلا، قال تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (١٧) [الذاريات] [القاموس القويم: مادة [هجع]]..
١١ - السحر- بفتح السين والحاء- الجزء الأخير من الليل إلى مطلع الفجر، وجمعه: أسحار، قال تعالى: .. والمستغفرين بالأسحار (١٧) [آل عمران]، وقال تعالى: وبالأسحار هم يستغفرون (١٨) [الذاريات] [القاموس القويم: مادة[سحر]]..
١٢ - السائل: الفقير، أو من يسأل عن شيء، قال تعالى: وأما السائل فلا تنهر (١٠) [الضحى] يحتمل المعنيين: السائل الذي يطلب الصدقة، والسائل المستفهم عن شيء، وقوله تعالى: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسأ لن المرسلين (٦) [الأعراف] أي: لنحاسبن الناس والرسل يوم القيامة. [القاموس القويم] مادة: [سأل]].
والمحروم: الممنوع من الخير، قال تعالى: بل نحن محرومون (٦٧) [الواقعة] أي: حرمنا ثمر الحديقة وحرمنا الخير كله، والحرمان: المنع، والمحروم أيضا: اسم مفعول ويطلق على الفقير، وقال تعالى: وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (١٩) [الذاريات] [القاموس القويم: مادة [حرم]]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير