العارفين الى ماذا قال حاجتهم الى الخصلة التي كملت بها المحاسن كلها ألا وهى الاستقامة فكل من كان أتم معرفة كان أتم استقامة قال ابن عطاء فاستقم اى افتقر الى الله مع تبريك من الحول والقوة وفى التفسير الفارسي للامام القشيري [فرمود كه مستقيم آنكس است كه از راه حق باز نگردد تا بسر منزل وصال برسد. وشيخ ابو على دقاق گفته استقامت آنست كه سر خود را از ما سوى محفوظ دارى. وخواجه عصمت بخارى در صفت اهل استقامت فرموده]
كسى را دانم اهل استقامت
كه باشد بر سر كوى ملامت
ز أوصاف طبيعت پاك برده
بإطلاق هويت جان سپرده
تمام از كرد تن دامن فشانده
برفته سايه وخوشيد مانده
وقال ابو على الجرجاني كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة فان نفسك متحركة فى طلب الكرامة ويطلب منك الاستقامة فالكرامة الكبرى الاستقامة فى خدمة الخالق لا بإظهار الخوارق قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائي قدس سره فى نفائس المجالس لا تتيسر الاستقامة الا بايفاء حق كل مرتبة من الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة فمن رعاية حق الشريعة العدالة فى الاحكام فالاستقامة فى مرتبة الطبيعة برعاية الشريعة وفى مرتبة النفس برعاية الطريقة وفى مرتبة الروح برعاية المعرفة وفى مرتبة السر برعاية المعرفة والحقيقة فمراعاة تلك الأمور فى غاية الصعوبة ولذلك قال عليه السلام (شيبتنى سورة هود) فالكمال الإنساني بتكميل تلك المراتب لا بإظهار الخوارق كما حكى انه قيل للشيخ ابى سعيد ان فلانا يمشى على الماء قال ان السمك والضفدع كذلك وقيل ان فلانا يطير فى الهواء فقال ان الطيور كذلك وقيل ان فلانا يصل الى الشرق والغرب فى آن واحد قال ان إبليس كذلك فقيل فما الكمال عندك قال ان تكون فى الظاهر مع الخلق وفى الباطن مع الحق واعلم ان النفوس جبلت على الاعوجاج عن طريق الاستقامة الا ما اختص منها بالعناية الازلية والجذبة الالهية: قال المولى الجامى قدس سره
سالكان بي كشش دوست بجايى نرسند
سالها گر چهـ درين راه تك و پوى كنند
وَلا تَرْكَنُوا الركون هو الميل اليسير والخطاب لرسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين اى ولا تميلوا ادنى ميل إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا اى الى الذين وجد منهم الظلم فى الجملة فَتَمَسَّكُمُ بسبب ذلك وهو منصوب بإضمار ان فى جواب النهى يعنى [بشما برسد] النَّارُ [آتش دوزخ] وإذا كان الركون الى من صدر منهم ظلم مرة فى الإفضاء الى مساس النار هكذا فما ظنك بالركون الى من صدر منهم الظلم مرارا ورسخوا فيه ثم بالميل إليهم كل الميل وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ اى من أنصار ينقذونكم من النار على ان يكون مقابلة الجمع بالجمع بطريق انقسام الآحاد على الآحاد. والجملة نصب على الحالية من مفعول فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة وهى انتفاء ناصركم ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ جملة فعلية معطوفة على الاسمية قبلها. وكلمة ثم لاستبعاد نصرة الله تعالى إياهم مع استحقاقهم العذاب بسبب ركونهم ثم لا ينصركم الله إذ سبق فى حكمه ان يعذبكم ولا يبقى عليكم. والآية
صفحة رقم 195
ابلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم والتهديد عليه والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ثم لا يرتدعون عن الظلم والميل الى اهله ولا يتدبرون انهم مؤاخذون غير منصورين:
قال السعدي قدس سره
كرازى بچاه اندر افتاده بود
كه از هول او شير نر مانده بود
بد انديش مردم بجز بد نديد
بيفتاد وعاجز تر از خود نديد
همه شب ز فرياد وزارى نخفت
يكى بر سرش كوفت سنگى وگفت
تو هرگز رسيدى بفرياد كس
كه ميخواهى امروز فريادرس
كه بر ريش جانت نهد مرهمى
كه دلها ز دردت بنالدهمى
تو ما را همى چاه كندى براه
بسر لا جرم در فتادى بچاه
اگر بد كنى چشم نيكى مدار
كه هرگز نيارد كژ انگور بار
وفى الحديث (إياكم والظلم فانه يخرب قلوبكم) وفى تخريب القلب تخريب سائر الجسد فالظالم يظلم على نفسه حيث يخرب أعضاءه الظاهرة والباطنة وعلى الله حيث يخرب بنيان الله ويغيره ويفسده ولانه إذا ظلم غيره وآذاه فقد ظلم على الله ورسوله وآذاه. والدليل عليه قوله عليه السلام (انا من الله والمؤمنون منى فمن آذى مؤمنا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى) ودخل فى الركون الى الظالمين المداهنة والرضى بأقوالهم وأعمالهم ومحبة مصاحبتهم ومعاشرتهم ومد العين الى زهرتهم الفانية وغبطتهم فيما أوتوا من القطوف الدانية والدعاء لهم بالبقاء وتعظيم ذكرهم وإصلاح دواتهم وقلمهم ودفع القلم او الكاغذ الى أيديهم والمشي خلفهم والتزيي بزيهم والتشبه بهم وخياطة ثيابهم وحلق رؤسهم. وقد امتنع بعض السلف عن رد جواب الظلمة فى السلام وقد سئل سفيان عن ظالم اشرف على الهلاك فى برية هل يسقى شربة ماء فقال لا فقيل له يموت فقال دعه فانه اعانة للظالم وقال غيره يسقى الى ان يثوب الى نفسه ثم يعرض عنه وفى الحديث (العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فاذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم) فاذا علمت هذا فاعلم ان الواجب عليك ان تعتزل عنهم بحيث لا تراهم ولا يرونك إذ لا سلامة الا فيه وان لا تفتش عن أمورهم ولا تتقرب الى من هو من حاشيتهم ومتصل بهم من امامهم ومؤذنهم فضلا عن غيرهم من عمالهم وخدمهم ولا تتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم وترك مصاحبتهم واذكر كثيرا قول رسول الله ﷺ (إذا قرأ الرجل القرآن وتفقه فى الدين ثم اتى باب السلطان تملقا اليه وطمعا لما فى يديه خاض بقدر خطاه فى نار جهنم) والحديث كأنه مأخوذ من الآية فهما متطابقان معنى كما لا يخفى- وروى- ان الله تعالى اوحى الى يوشع بن نون انى مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم فقال ما بال الأخيار فقال انهم لم يغضبوا لغضبى فكانوا يواكلونهم ويشاربونهم وبهذا تبين ان بغض الظلمة والغضب عليهم لله واجب وانما ظهر الفساد فى الرعايا وجميع أقطار الأرض برا وبحرا بفساد الملوك وذلك بفساد العلماء اولا إذ لولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك بل لو اتفق العلماء فى كل عصر على الحق ومنع الظلم مجتهدين فى ذلك
صفحة رقم 196
او امرأة يتخطون الحد ويتركون الاستقامة وليس الاتعاظ وقبول النصيحة من شأنهم. والثاني إذا أساء اليه انسان لا يحمله ذلك على ان يقول بغير الحق. والثالث ان هوى نفسه لا يحوله عن امر الله تعالى. والرابع ان حطام الدنيا لا يشغله عن طاعة الله: فقال الحافظ
ببال و پر مروازره كه تير پرتابى
هوا گرفت زمانى ولى بخاك نشست
يعنى لا تخرج بالقدرة الدنيوية والمكنة المالية عن حد الطريق المستقيم فان لكل ترق تنزلا ألا ترى الى حال السهم كيف صعد الى جو السماء زمانا ثم سقط على الأرض فالانسان لا بد وان يسقط على الأرض فى آخر امره ونهاية عمره وَاصْبِرْ يا محمد على مشاق الأوامر ويدخل فيه الامة بالتبعية وقد كانت العادة القرآنية على اجراء اكثر خطابات الأوامر على النبي عليه السلام واكثر خطابات النهى على الامة اعتبارا للاصالة فى الاتصاف والتنزه والاجتناب فافهم فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فى أعمالهم صلاة كانت او صبرا او غيرهما من فرائض الإسلام ومندوبات الأعمال ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم اى يوفيهم أجور أعمالهم من غير بخس أصلا وانما عبر عن ذلك بنفي الاضاعة مع ان عدم إعطاء الاجر ليس باضاعة حقيقة كيف لا والأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها ضياعها لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدوره عنه سبحانه من القبائح وإبراز الاثابة فى معرض الأمور الواجبة وهو تعليل للامر بالصبر. وفيه ايماء الى ان الصبر من باب الإحسان وهو ان تعبد الله كأنك تراه لانه إذا قدر المرء على هذه المشاهدة هان عليه الصبر وغيره من مر الاحكام ولا يكون هذا الإحسان الا بالإخلاص واخلاص السريرة گر نباشد نيت خالص چهـ حاصل از عمل وكان اهل الخير يكتب بعضهم الى بعض بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه الله امر دنياه ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. ومن أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس واعلم ان الله تعالى امر ونهى ومراده إطاعة عباده له فى كل ما يأتون وما يدرون فان فلاحهم فى ذلك ولا يرضى الله منهم الا بالطاعة والتسليم والقبول: قال الحافظ
مزن ز چون و چرا دمكه بنده مقبول
قبول كرد بجان هر سخن كه جانان گفت
وعن ابى بكر الوراق قال طلبنا اربعة أشياء سنين فوجدناها فى اربعة. طلبنا رضى الله تعالى فوجدناه فى طاعته. وطلبنا السعة فى المعيشة فوجدناها فى صلاة الضحى. وطلبنا سلامة الدين فوجدناها فى حفظ اللسان. وطلبنا نور القبر فوجدناه فى صلاة الليل فعلى العاقل السعى فى طريق الطاعات وتنوير القلب بنور العبادات وفى التأويلات النجمية وَاصْبِرْ ايها الطالب الصادق والعاشق الوامق على صرف الأوقات فى طلب المحبوب بدوام الذكر ومراقبة القلب وترك الشهوات ومخالفة الهوى والطبيعة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ اى سعى الطالبين كما قال (ألا من طلبنى وجدنى) لان من سنة كرمه قوله (من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا) والمقصود من الحديث القدسي بيان سعة فيضه وجوده على عباده والتقرب الى الله تعالى انما يكون بقطع التعينات ورفع حجب الكثرة عن وجه الوحدة الذاتية الا ان ذلك مشروط
صفحة رقم 199