قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [ هود : ١٣ ].
لمَّا طلبوا منه المعجز قال : معجزتي هذا القرآن، فلمَّا حصل المعجز الواحد كان طلب الزِّيادة بغياً وجهلاً.
وفي " أمْ " هذه وجهان :
أحدهما : أنها منقطعةٌ فتقدَّر ب " بَلْ " والهمزة، فالتقدير : بل أتقولون افتراه. والضمير في " افتراهُ لما يوحى.
والثاني : أنَّها متصلة، فقدَّروها بمعنى : أيكفرون بما أوحينا إليك من القرآن أم يقولون إنَّهُ ليس من عند الله ؟.
قوله " مِثْلِهِ " نعت ل " سُورٍ " و " مثل " وإن كانت بلفظ الإفراد فإنه يوصف بها المثنى والمجموع والمؤنث، كقوله تعالى : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا [ المؤمنون : ٧٤ ] ويجوز المطابقة. قال تعالى : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ [ الواقعة : ٢٢، ٢٣ ] وقال تعالى : ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم [ محمد : ٣٨ ].
قال ابن الخطيب١ :" مِثلِهِ " بمعنى " مثاله " حملاً على كُلِّ واحدة من تلك السور، ولا يبعد أيضاً أن يكون المرادُ المجموع ؛ لأنَّ مجموع السور العشرة شيء واحد. والهاء في " مِثْلِهِ " تعود لما يوحى أيضاً، و " مُفْترياتٍ " صفة ل " سُورٍ " جمع " مُفْتراة " ك " مُصْطفيَات " في " مُصْطَفاة " فانقلبت الألفُ ياءً كالتثنية.
فصل
قال ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - هذه السور التي وقع بها التَّحدي سور معينه، هي سورة البقرة وآل عمران والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس وهود٢، فقوله عز وجل : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ الإشارة إلى هذه السور وهذا فيه إشكال، لأنَّ هذه السُّورة مكية، وبعض السُّور المتقدمة مدنية، فكيف يمكنُ أن يكون المراد هذه العشر عند نزول هذا الكلام ؟ فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور.
فإن قيل : قد قال في سورة يونس فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ [ يونس : ٣٨ ] وقد عجزوا عنهُ. فكيف قال فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ فهو كرجل يقول لآخر : أعطني درهماً ؛ فيعجز، فيقول : أعطني عشرة ؟.
فالجوابُ : قد قيل : نزلت سورة هودٍ أولاً، وأنكر المبردُ هذا وقال : بل سورة يونس أولاً، وقال : ومعنى قوله في سورة يونس : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ [ يونس : ٣٨ ] أي : مثله في الإخبار عن الغيب، والأحكام، والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هودٍ : إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الإخبار، والأحكام، والوعد، والوعيد ( فأتوا بعشر سور مثله ) من غير وعْدٍ ووعيدٍ، وإنما هي مجرد بلاغة.
فصل
اختلفوا في الوجه الذي كان القرآن لأجله معجزاً، فقيل : هو الفصاحةُ وقيل : الأسلوب، وقيل : عدم التناقض، وقيل : اشتمالهُ على الإخبار عن الغيوبِ، والمختار عند الأكثرين أن القرآن معجز من جهة الفصاحة، واستدلُّوا بهذه الآية، لأنَّهُ لو كان إعجازه هو كثرة العلوم، أو الإخبار عن الغيوب، أو عدم التناقض لم يكن لقوله :" مفترياتٍ " معنى، أمَّا إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صحَّ ذلك ؛ لأنَّ فصاحة الفصيح تظهر بالكلام، سواء كان الكلام صدقاً أو كذباً، ثم إنه لمَّا قرر وجه التحدِّي قال : وادعوا مَنِ استطعتم واستعينوا بمن استطعتم وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ يا أصحاب محمد، وقيل : لفظه جمع والمراد به الرسول - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه وحده –.
٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٧/١٥٦)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود