والآيات قد جاءت كما هو المتبادر معقبة على سابقاتها حيث انطوى فيها شرح حالة الكفار الذين كانوا السواد الأعظم من سامعي القرآن، والذين كانوا موضوع تنديد في الآيات السابقة بعد استثناء المؤمنين الصابرين الصالحين، وقد تكرر هذا في المناسبات المماثلة مما مرّ بعض أمثلته.
وواضح أن الآيتين الأوليين وهما تنددان بذلك الخلق تنطويان على تلقين مستمر المدى فيه تحذير ودعوة إلى التفكير دائما في عواقب الأمور والاستعداد لها فلا تبطر المرء نعمة فتخرجه عن طوره، ولا تيئسه نقمة فتسلمه إلى الكفر والجحود. وقد انطوى في الآية الثالثة تقرير أثر الإيمان في صاحبه إزاء تقلبات الدهر حيث يساعده على الصبر والاستمرار في العمل الصالح في حالتي السراء والضراء دون بطر ولا يأس.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الثالثة حديثين نبويين أحدهما ورد في صحيحي البخاري ومسلم جاء فيه: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له وليس ذلك لأحد غير المؤمن». وجاء في الحديث الثاني: «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همّ ولا غمّ ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلّا كفّر الله عنه بها من خطاياه». حيث ينطوي في الحديثين تطمين وتثبيت وبشرى للمؤمنين وحث على الشكر على حالة السراء والصبر في حالة الضراء وحيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الشأن كما هو في كل شأن.
[سورة هود (١١) : الآيات ١٢ الى ١٤]
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)
. (١) أن يقولوا: مخافة أن يقولوا.
لا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول هذه الآيات، والمتبادر أنها استمرار لحكاية مواقف الكفار وحكاية حالهم فهي والحالة هذه استمرار للسياق.
وقد تضمنت الأولى تثبيتا للنبي ﷺ وتسليته إزاء مواقف الكفار وتحديهم فقد كان يستشعر أحيانا بشيء من القلق وضيق الصدر حينما كان يتلو عليهم الجديد من القرآن مخافة أن يتحدوه باستنزال ملك يؤيده أو كنز يلقى إليه. فليس هو إلّا نذير وليس عليه إلّا تبليغ ما يوحى إليه والله الوكيل على كل شيء.
وتضمنت الآية الثانية ترديدا لما كانوا ينسبونه إلى النبي ﷺ من افتراء القرآن وأمرا بتحديهم بالمقابلة. فليأتوا بعشر سور مثله إذا كانوا صادقين في زعمهم بأنه مفترى وليستعينوا بمن يستطيعون على ذلك.
وتضمنت الآية الثالثة توكيدا في حالة عدم استجابة الكفار للتحدي بأن القرآن هو منزل بعلم الله الذي لا إله إلّا هو ودعوة للسامعين إلى إسلام النفس له وحده.
وينطوي في أسلوب الآية تقرير عجز الكفار عن الاستجابة إلى التحدي وإلزام للسامعين بالإسلام لله لأن عجزهم يثبت أن القرآن منزل من الله تعالى ولم يبق لهم مناص إلا الإذعان والتسليم.
ولقد تعددت أقوال أهل التأويل من الصدر الأول التي يرويها المفسرون عن المخاطب في الآية الثالثة حيث قيل إنه النبي ﷺ كما قيل إنهم أصحاب رسول الله ﷺ المسلمون وقيل أيضا إنهم السامعون إطلاقا. والعبارة تتحمل كل ذلك، وإن كنا نرجح أن المخاطب هو النبي ﷺ وأصحابه معا، وكلمة (لكم) تقوي هذا الترجيح.
تعليق على الآية فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ إلخ
والفقرة الأولى من الآية الأولى قد تورد على الخاطر أن النبي ﷺ كان يحسب أحيانا حساب مكابرة الكفار وتكذيبهم، ويقوم في ذهنه عدم إعلان جميع ما ينزل عليه وبخاصة ما فيه هجوم على آلهة الكفار وعقولهم فاحتوت الآيات تحذيرا وتنبيها له. وورود شيء من هذا في آيات أخرى وبخاصة آيات سورة الإسراء [٧٣- ٧٥] على ما شرحناه في تفسير هذه السورة قد يقوي هذا الخاطر.
غير أننا نرجح أن التعبير هنا تعبير أسلوبي يقصد به وصف شدة ما كان يلم بالنبي ﷺ من ألم نفسي وضيق صدر من جراء موقف الكفار وتحدياتهم. وأنه ليس من نوع ما أشارت إليه آيات الإسراء المذكورة. وجملة أَنْ يَقُولُوا التي بمعنى مخافة أن يقولوا ويطلبوا مؤيدات خارقة على صحة النبوة مثل استنزال ملك أو كنز قرينة على صحة الترجيح. وعلى كل حال فليس في الآية ما يمس العصمة النبوية في صدد تبليغ ما أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية الأولى مدنية، وهي رواية غريبة لم تطلع على تأييد لها. فالاية منسجمة في السياق موضوعا وسبكا. والصورة التي احتوتها من صور العهد المكي. وهناك آيات لا خلاف في مكيتها، ومنها آيات سورة الفرقان [٧- ٨] احتوت مثلها. وهذا مما يسوّغ الشك في صحة الرواية.
ولقد روى الطبرسي في سياق هذه الآية عن ابن عباس أن رؤساء قريش أتوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إن كنت رسولا فحوّل لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوة فأنزل الله الآية «١». وروى الطبرسي في الوقت نفسه حديثا عن العياشي عن أبي عبد الله أحد الأئمة الإثني عشر أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني سألت ربي أن يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل، فقال بعض القوم والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلينا
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة