يقول الحق سبحانه بعد ذلك :
أم يقولون افتراه( ١ ) قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين( ١٣ ) :
وفي قول الحق سبحانه وتعالى هنا بيان للون آخر من مصادمة الكافرين لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فقالوا : إن محمدا قد افترى القرآن.
الافتراء : هو الكذب المتعمّد، ومعنى الكذب المتعمد أنه كلام يخالف واقعا في الكون.
فإذا كان الواقع نفيا وأنت قلت قضية إثبات ؛ تكون قد خالفت الواقع، كأن يوجد في الكون شرّ ما ثم تقول أنت : لا يوجد شرّ في هذا المكان، وهكذا يكون الواقع إيجادا والكلام نفيا.
وكذلك أن يكون في الواقع نفي وفي الكلام إيجاب، فهذا أيضا كذب ؛ لأن الصدق هو أن تتوافق القضية الكلامية مع الواقع الكوني، فإن اختلفت مع الواقع الكوني صار الكلام كذبا.
والكذب نوعان : نوع متعمد، ونوع غير متعمد. والكذب خرق واقع واختلاق غير موجود. ويقال : خرقت الشيء أي : أنك أتيت لواقع وبدّلت فيه.
والحق سبحانه وتعالى يقول : وخرقوا( ٢ ) له بنين وبنات بغير علم.. ( ١٠٠ ) [ الأنعام ]، وتخلقون إفكا( ٣ ).. ( ١٧ ) [ العنكبوت ] : أي : تأتون بشيء من عدم، وهو من عندكم فقط.
ويقول الله سبحانه تعالى : .. وإن هم إلا يخرصون( ٤ )( ١١٦ ) [ الأنعام ].
وحين اتهموا محمدا صلى الله عليه وسلم بهتانا بأنه افترى القرآن جاء الرد من القرآن الكريم بمنتهى البساطة، فانتم-معشر العرب-أهل فصاحة وبلاغة، وقد جاء القرآن الكريم من جنس ونوع نبوغكم، وما دمتم قد قلتم : إن محمدا قد افترى القرآن، وأن آيات القرآن ليست من عند الله، فلماذا لا تفترون مثله ؟
وما دام الافتراء سهلا بالنسبة لكم، فلماذا لا تأتون بمثل القرآن ولو بعشر سور منه ؟ وأنتم قد عشتم مع محمد منذ صغره، ولم يكن له شعر، ولا نثر، ولا خطابة، ولا علاقة له برياضاتكم اللغوية، ولم يزاول الشعر أو الخطابة، ولم يشترك في أسواق البلاغة والشعر التي كانت تعقد في الجاهلية مثل سوق عكاظ.
وإذا كان من لا رياضة له على الكلام ولا على البلاغة، قد جاء بهذا القرآن ؛ فليكن لديكم-وأنتم أهل قدرة ودربة ورياضة على البلاغة أن تأتوا ببعض من مثله، وإن كان قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون مثله ؟
وأنتم تعرفون المعارضات التي تقام في أسواق البلاغة عندكم، حين يقول شاعر قصيدة، فيدخل معه شاعر آخر في مباراة ليلقي قصيدة أفضل من قصيدة الشاعر الأول، ثم تعقد لجان تحكيم تبيّن مظاهر الحسن ومظاهر السوء في أي قصيدة.
ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن-كما تقولون-فأين أنتم ؟ ألم تعرفوه منذ طفولته ؟ ولذلك يأمر الحق سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت( ٥ ) فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) [ يونس ].
فهل أثر عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال شعرا أو ألقى خطبة أو تبارى( ٦ ) في عكاظ( ٧ ) أو المربد أو ذي المجاز( ٨ ) أو المجنّة( ٩ )، وتلك هي أسوق البلاغة ومهرجاناتها في تلك الأيام ؟
هو لم يذهب إلى تلك الأماكن منافسا أو قائلا.
إذن : أفليس الذين تنافسوا هناك أقدر منه على الافتراء ؟ ألم يكن امرؤ القيس شاعرا فحلا ؟ لقد كان، وكان له نظير يعارضه.
وكذلك كان عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلّزة اليشكرى، كما جاء في عصور تالية آخرون مثل : جرير والفرزدق.
إذن : فأنتم تعرفون من يقولون الشعر ومن يعارضونهم من أمثالهم من الشعراء.
إذن : فهاتوا من يفترى مثل سور القرآن، فإن لم تفتروا، فمعنى ذلك أن القرآن ليس افتراء.
ولذلك يقول الحق سبحانه هنا : أو يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات.. ( ١٣ ) [ هود ] : فهل كانوا قادرين على قبول التحدي، بأن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن الكريم في البيان الآسر( ١٠ ) وقوة الفصاحة وأسرار المعاني ؟
لقد تحدّاهم بأن يأتوا-أولا-بمثل القرآن( ١١ )، فلم يستطيعوا، ثم تحدّاهم بأن يأتوا بعشر سور، فلم يستطيعوا، وتحداهم بأن يأتوا بسورة( ١٢ )، ثم تحدى أن يلتوا ولو بحديث مثله، فلم يستطيعوا.
وهنا جاء الحق سبحانه بالمرحلة الثانية من التحدي، وهو أن يأتوا بعشر سور، ولم يكتف الحق سبحانه بذلك، بل طالبهم أن يدعوا مجمعا من البلغاء، فقال سبحانه : وادعوا من استطعتم من دون الله.. ( ١٣ ) [ هود ] : أي : هاتوا كلّ شركائكم وكل البلغاء، من دون الله تعالى.
الحق سبحانه وتعالى هنا يقطع عليهم فرصة الادّعاء عليه سبحانه حتى لا يقولوا : سوف ندعو الله ؛ ولذلك طالبهم الحق سبحانه أن يجنّبوه وادعوا من استطعتم من دون الله عن كنتم صادقين( ١٣ ) [ هود ] : أي : إن كنتم صادقين في أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن( ١٣ )، وبما أنكم أهل ريادة في الفصاحة فلتفتروا عشر سور من مثل القرآن، أنتم ومن تستطيعون دعوتهم من الشركاء.
لذلك كان الرد الحكيم من الله في قول الحق سبحانه بعد ذلك :
فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون( ١٤ ) :
٢ خرق الأمر أو الكلام: كذبه واخترعه. قال تعالى:وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم..(١٠٠)[الأنعام] أي: نسبوا له بنين وبنات كذبا واختراعا بغير علم.[المعجم الوسيط]..
٣ الإفك: الكذب والافتراء الباطل. وقال تعالى:.. وذلك إفكهم وما كانوا يفترون(٢٨)[الأحقاف]. وقال تعالى:إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم..(١١)[النور]..
٤ يخرصون: يكذبون. ويستعمل الخرص في القرآن بمعنى الكذب أو الظن الخاطئ. قال تعالى:.. وإن هم إلا يخرصون(١١٦)[الأنعام] أي: يكذبون أو يخمنون ويظنون ولا يعلمون حقيقة الأمر على سبيل اليقين.[القاموس القويم-١/١٩١]..
٥ لبث: أقام واستقر. وقال تعالى عن يونس عليه السلام:فلولا أنه كان من المسبحين(١٤٣) للبث في بططنه إلى يوم يبعثون(١٤٤)[الصافات]. وقال سبحانه عن نوح عليه السلام:فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما..(١٤)[العنكبوت]. وقال تعالى:.. فلبث سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى(٤٠)[طه]..
٦ التباري: التنافس والتسابق..
٧ سوق عكاظ: سوق بقرب مكة، كان العرب يجتمعون بها كل سنة، فيقيمون شهرا يبتاعون ويتفاخرون ويتناشدون، وسميت عكاظا بهذا، ويقال: تعاكظ القوم: تعاركوا وتفاخروا[انظر لسان العرب-مادة عكظ]..
٨ ذو المجاز: موضع بمنى-وقيل عند عرفات-كان يقام فيه سوق في الجاهلية.[اللسان مادة: جوز]..
٩ المجنة: موضع على بعد أميال من مكة، كان بها سوق من أسواق العرب..
١٠ الآسر: الذي يأخذ بألباب الناس وعقولهم..
١١ وذلك في قول الله سبحانه:قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(٨٨)[الإسراء] أي: معينا..
١٢ يقول رب العزة سبحانه:وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله..(٢٣)[البقرة]. ويقول سبحانه:أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين(٣٨)[يونس]..
١٣ القرآن: يطلق على كتاب الله المعجز، المكتوب في المصاحف، الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلق مجازا مرسلا علاقته الجزئية على الصلاة، كقوله تعالى:وقرأن الفجر..(٧٨)[الإسراء] أي: صلاة الفجر (القاموس القويم باختصار)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي