في الآيات حملة شديدة على المشركين وزعمائهم بخاصة، فهي :
١ ـ تتساءل تساؤلا يتضمن التقرير والتوكيد بأنه ليس من أحد أعظم جرما وأشد ظلما من الذين يفترون على الله الكذب وتؤكد بأنهم سيقفون أمام الله فيشهد عليهم الأشهاد بأنهم هم الذين كذبوا على الله فيهتف باللعنة على الظالمين الذين كانوا كافرين بالآخرة والذين كانوا يمنعون الناس عن سبيل الله ويضعون العراقيل في طريق الدعوة إليه.
٢ ـ تؤكد أنهم لن يكون لهم أولياء ونصراء يحمونهم من نقمة الله، وأن عذابهم سيكون مضاعفا ؛ لأنهم اشتدوا في تصاميمهم عن سماع كلمة الحق وفي تعاميهم عن رؤية الحق حتى لقد كانوا في مثابة العاجزين عن السمع والإبصار، وأنهم خسروا أنفسهم وغاب عنهم شركاؤهم الذين زعموها كذبا وافتراء.
٣ ـ تقرر أن من الطبيعي أن يكونوا الأخسرين في الآخرة. وأنهم إذا كانوا أهملوا في الدنيا فليس ذلك لأنهم كانوا معجزين الله فيها، وإنما لأن حكمته اقتضت ذلك. واستطردت الآيات إلى ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأخلصوا وخشعوا لله تعالى ذكرا تنويهيا بالمقابلة لذكر الكفار مما هو مألوف في النظم القرآني، فقررت أنهم هم أصحاب الجنة الخالدون فيها ومثلت كلا من الفريقين بالبصير والأعمى والسميع والأصم وتساءلت تساؤلا فيه معنى التقرير بأنه لا يمكن أن يستوي الأعمى والبصير ولا السميع والأصمّ، ودعت الناس بأسلوب الحث إلى التدبر والتذكر لاستبانة الحق من الباطل.
والكذب على الله في الآيات يعني عقيدة الشرك. والقرينة على ذلك هي جملة وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ وجملة الَّذِينَ يَصُدُّون َعَن سَبِيلِ اللّهِ ويَبْغُونَهَا عِوجًا تعني الزعماء الذين تولوا قيادة المناوأة للدعوة النبوية ومنع الناس من الاستجابة إليها. وهذا وذاك هو ما قصدناه في مطلع الشرح من جملة الآيات على المشركين وزعمائهم بخاصة.
والمتمعن في الآيات يلمس ولا ريب شدة الحملة في التنديد والإنذار وتصوير ما سيكون من أمر الكفار وزعمائهم، والمتبادر أنها استهدفت فيما استهدفته إثارة الرعب في قلوبهم وإيقاظ ضمائرهم وحملهم على الارعواء والارتداع. والمتبادر كذلك أن الاستطراد التنويهي إلى ذكر المؤمنين قد تضمن تبشير هؤلاء وبث الطمأنينة في نفوسهم.
والآيات كما هو المتبادر استمرار لموقف الجدل والحجاج وتعقيب عليه. فبعد أن حكى في الآيات السابقة ما كان من أقوال الكفار وتحدياتهم جاءت الآيات تحمل عليهم هذه الحملة الشديدة. ولعل في ورود هذه الآيات عقب الآية السابقة قرينة على مكية هذه الآية التي ذكرت بعض الروايات أنها مدنية.
وروح الآيات وفحواها يتضمنان تقرير كون الذين استحقوا الجنة أو النار في الآخرة إنما استحقوها نتيجة لاختيارهم طريق الهدى أو الضلال في الدنيا. وهذا يوجب التأويل الذي أولناه لجملة مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ومَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ .
التفسير الحديث
دروزة