ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك.
كأن لم يغنوا(١) فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ( ٦٨ ) :
ومادة " غنى " (٢).. " غنى "، أو " غناء " كلها متساوية ؛ لأن الغناء هو الوجود ؛ وجود شيء يغني عن شيء، فالغنى هو وجود مال يغنيك عن غيرك، والغناء هو ما نسمعه من المغنين، والأغنية التي يعجب الإنسان من كلماتها ولحنها، فهو يقيم معها إقامة تطرد ما سواها مما سمع من الكلام على كثرة ما سمع أو قرأ، والغناء هو للإقامة.
والحق سبحانه يقول : حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا(٣) كأن لم تغن(٤) بالأمس... ( ٢٤ ) [ يونس ] : أي : كأنها لم توجد من قبل.
وهنا يقول الحق سبحانه : كأن لم يغنوا فيها... ( ٦٨ ) [ هود ] : أي : لم يقيموا فيها، لأنها صارت حصيدا.
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية : ألا إن ثمود كفروا ربهم... ( ٦٨ ) ، وهذه هي حيثية العذاب الذي نزل بهم.
وعادة ما تتعدى كلمة " كفر " بالباء، ويقال : كفروا بربهم، ولكن الحق سبحانه يقول هنا : ألا إن ثمود كفروا ربهم... ( ٦٨ ) [ هود ] : والفارق كبير بين المعنيين، فمعنى كفروا ربهم أي : ستروا وجوده، فلا وجود له، ولكن معنى " كفروا بربهم " هو اعتراف بالله الموجود، لكنهم لم يؤمنوا به.
وقول الحق سبحانه : كفروا ربهم يرد على الملاحدة الذين لا يقرون بوجود الله، لأن ذنب إنكار وجود الله ليس بعده ذنب، ولا يوجد ما هو أكبر منه في الذنوب.
لذلك يقول الحق سبحانه : .. ألا بعدا لثمود ( ٦٨ ) [ هود ] : أي : أنه يستحقون ما وقع عليهم من إهلاك وطرد من رحمة الله، ولن يعطف عليهم أحد لضخامة ذنبهم.

١ - غني القوم في ديارهم: طال مقامهم فيها. قال تعالى: فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٦٧) كأن لم يغنوا فيها...(٦٨) [هود] [القاموس القويم]..
٢ - غنى يغني غناء وغنى: كثر ماله، فهو غان وغنى، والغنى: من أسماء الله الحسنى. قال تعالى: وربك الغني ذو الرحمة...(١٣٣) [الأنعام]. [القاموس القويم]..
٣ - حصد الزرع يحصده حصدا وحصادا: قطعه عند نضجه، ويستعمل الحصد مجازا بمعنى الإهلاك والإبادة. قال تعالى: .. حتى جعلناهم حصيدا خامدين (١٥) [الأنبياء] أي: جعلناهم كالزرع المحصود، أي: أهلكناهم، وقال تعالى: ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (١٠٠) [هود]. أي: منها باق، ومنا هالك. [القاموس القويم]..
٤ - أغنيت الدار بأهلها: عمرت بهم، قال تعالى: فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس.. (٢٤) [يونس] أي: كأنها لم تعمر. [القاموس القويم ٢/٢١].
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير