إنَّ إبراهيمَ لحليمٌ ، غير عجول من الانتقام إلى من أساء إليه. أواهٌ ؛ كثير التأوه والتأسف على الناس، منيب ، راجع إلى الله. والمقصود من ذلك : بيان الحامل له على المجادلة، وهي : رقة قلبه وفرط ترحمه.
وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لما أُسري بي رأيت رجلاً في الحضرة يتذمر، فقلت لجبريل : من هذا ؟ فقال : أخوك موسى يَتَذَمَّرُ عَلَى ربهِ ـ أي : يجترئ عليه انبساط ـ فقلت : وهل يليق له ذلك ؟ فقال : يعرفه ؛ فيتحمل عنه ". ثم قال : ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. هـ. قال في الصحاح : يَتَذَمَّرُ على فلان : إذا تَنَكَّرَ له وأَوعَدَهُ. قاله المحشي.
والحاصل أن إبراهيم عليه السلام حملته الشفقة والرحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم، يشفقون على عباد الله، ما لم يتعين مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لما تعين قضاؤه : يا إبراهيم أعرض عن هذا . فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة القدر لا تليق بأهل الأقدار، وفي الحكم " ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله ". ولهذا قالوا : الشفقة لا تليق بالأولياء.
قال جعفر الصادق ـ رحمه الله ـ : ست خصال لا تحس بستة رجال : لا يحسن الطمع في العلماء، ولا العجلة في الأمراء، ولا الشح في الأغنياء، ولا الكبر في الفقراء، ولا الشفقة في المشايخ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا : الشفقة لا تليق بالأولياء، يعني إذا تعين مراد الله، أو إذا ظهرت المصلحة في عدمها، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه، فإذا كان الشيخ يحن على الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي