ﭼﭽﭾﭿﮀ

إذن : فالعلة في الجدال أنه حليم لا يعجل بالعقوبة، وأواه ؛ أي : يتأوه من القلب، والتأوه رقة في القلب، وإن كان التأوه من الأعلى فهذا يعني الخوف من ألا يكون قد أدى حق الله تعالى، وإن كان التأوه للأقل فهو رحمة ورأفة.
ولذلك فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى تأجيل العذاب لقوم لوط لعلهم يؤمنون، وتأوهه هنا لله تعالى، وعلى هؤلاء الجهلة بما ينتظرهم من عذاب أليم.
وقال الحق سبحانه في صفات إبراهيم أنه " منيب " أي : يرجع إلى الحكم وإلى الحق في قضاياه.
ألم يقل الحق سبحانه في موضع آخر من كتابه العزيز : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة١ وعدها إياه... ( ١١٤ ) [ التوبة ].
وبعد أن بحث إبراهيم عليه السلام عن الحق، وأناب إليه، يبين لنا الله سبحانه وتعالى مظهرية الإنابة في قوله تعالى : فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه... ( ١١٤ ) [ التوبة ] : وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها والتي أوضحت تأوه إبراهيم لله عز وجل وتأوهه رحمة بهؤلاء الذين لم يؤمنوا، وهم قوم لوط، وأيضا كانت حجة إبراهيم- عليه السلام- في الجدال ما قاله الحق سبحانه في سورة العنكبوت : ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين ( ٣١ ) قال إن فيها لوطا.. ( ٣٢ ) [ العنكبوت ].
وكان سؤال إبراهيم للملائكة : كيف تهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو يؤمن بالله وعلى رأسهم نبي من الله هو لوط عليه السلام، وردت عليه الملائكة : .. نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين٢ ( ٣٢ ) [ العنكبوت ].
وكأن إبراهيم خليل الرحمان يعلم أن وجود مؤمنين مع الكافرين في قرية واحدة، يبيح له الجدال عن أهل القرية جميعا.
ويتلقى إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الآية التالية :
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ( ٧٦ ) :

١ - وعده شيئا يعده وعدا وعدة: أخبره أنه سيحققه له، أو سيعطيه إياه، وهو فعل يتعدى لمفعولين، وقد يحذف أحد المفعولين للعلم به.
والموعدة: مصدر ميمي، واسم زمان أو مكان. قال تعالى: إلا عن موعدة وعدها إياه..(١١٤) [التوبة] أي: عن وعد واحد في مرة واحدة [القاموس القويم ٢/ ٣٤٣.].

٢ - من الغابرين: أي: من الباقين المتخلفين في القرية للهلاك، أو كانت من الماضين الذاهبين أي: من الهالكين، يقال: مضى وذهب بمعنى وهلك ومات. [القاموس القويم]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير