ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

وقول الملائكة : يا إبراهيم أعرض عن هذا.. ( ٧٦ ) [ هود ] : يعني إبلاغ إبراهيم أن مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمر منته ومحسوم، فهم قد جاءوا لينفذوا، لا ليهددوا ؛ وأبلغوا إبراهيم : إنه قد جاء أمر ربك.. ( ٧٦ ) [ هود ] : وإذا ما كان الأمر قد جاء من الله، فإبراهيم عليه السلام لأنه [ منيب ] يعلم أن أي أمر من الله تعالى لا بد أن ينفذ، فلا بد أن يتقبل- أمر الحق سبحانه : .. وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ( ٧٦ ) [ هود ] : أي : لا أحد بقادر على أن يرد عذاب الله، وكما أن هناك وعدا من الله تعالى غير مكذوب١، فهناك أيضا عذاب غير مردود٢.
ويروى٣ أن إبراهيم عليه السلام في جداله قال للملائكة : إذا كان في قوم لوط خمسون قد آمنوا بالله تعالى، أتعذبونهم ؟ قالوا : لا. قال : وإن كان فيهم عشرة يؤمنون بالله، أتعذبونهم ؟ قالوا : لا. قال : وإن كان فيهم واحد هو لوط ؟ فردت الملائكة : نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته.. ( ٣٢ ) [ العنكبوت ] : وانتهى الجدال، وذهبت الملائكة إلى مهمتها التي هي إيقاع العذاب يقوم لوط.
ويقول الحق سبحانه : ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا٤ وقال هذا يوم عصيب٥ ( ٤٤ ) : أي : أن لوطا شعر بالسوء، وضاق بهم ذرعا، والذرع مأخوذ من الذراع التي فيها الكف والأصابع وندفع بها الأشياء، وأي شيء تستطيع أن تمد إليه ذراعك لتدفع به، وأن لم تطله ذراعك ؛ قلت : " ضقت به ذرعا " أي : أن يدي لم تطله، وهو أمر فوق قوتي وطاقتي، وفوق ما آتاني الله من الآلات ومن الحيل.
وما الذي يسيء لوطا في مجيء الملائكة ؟
قيل : لأن الملائكة قد جاءوا على الشكل المعروف من الجمال، فحين يقال : " فلان ملاك "، أي : أن شكله جميل٦.
ولوط –عليه السلام- يعلم أن آفة قومه هي إتيان الذكور، وامرأته تعلم هذه الآفة، لكن موقفها من ذلك غير موقف لوط، فهي ترحب بتلك الآفة.
ويقال : إنها تنبهت لمجيء الرجال الحسان- ولم تعرف أنهم ملائكة العذاب- وصعدت إلى سطح المنزل، وصفقت لعل القوم ينتبهون لها، فلم يلتفت لها أحد، فأشعلت نارا فانتبه لها القوم، وأشارت لهم بما يعبر عن مجيء ضيوف يتميزون بالجمال٧.
وهنا قال لوط عليه السلام : .. هذا يوم عصيب ( ٧٧ ) [ هود ] :

١ - جاء هذا في حق قوم ثمود مع نبيهم صالح، وذلك أن الله توعدهم بالمكث والتمتع في دارهم ثلاثة أيام بعدها يأتيهم عذاب الله بسبب عقرهم الناقة، يقول سبحانه: فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (٦٥) [هود]..
٢ - غير مردود: أي: غير مصروف عنهم ولا مدفوع. [تفسير القرطبي ٤/٣٣٩٢]..
٣ - أورده السيوطي في الدر المنثور [٤/٤٦٠] وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان..
٤ - يقال: ضاق بالأمر ذرعا، وذراعا: أي: لم يطقه ولم يقو على احتماله واشتد عليه بسبب الضيق.
قال تعالى: .. وضاق بهم ذرعا (٧٧) [هود] أي: اشتد عليه الضيق بسبب وجودهم خوفا عليهم من قومه. [القاموس القويم]، وضاق بهم ذرعا: ضعفت طاقته عن تدبير خلاصهم. [كلمات القرآن للشيخ حسنين مخلوف]..

٥ - يوم عصيب: شديد شره وبلاؤه، [كلمات القرآن]..
٦ - وهذا هو ما قالته صويحبات يوسف عليه السلام، عندما أدخلته امرأة العزيز عليهن: .. فلما رأيناه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (٣١) [يوسف]..
٧ - وتلك كانت خيانتها لزوجها لوط عليه السلام، أنها كانت تدل قومها على أضياف لوط ليفعلوا معهم المنكر، وقد قال رب العزة عن امرأة نوح وامرأة لوط: {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما..(١٠) [التحريم]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير