ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

ويبيّن الحق سبحانه لنا عدم رشد أمر فرعون، فهو يذكر لنا ما يحدث له يوم القيامة هو وقومه، فيقول تعالى :
يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد(١) المورود ( ٩٨ ) :
وكلمة " يقدم " هي من مادة " القاف " و " الدال " و " الميم ". وعند استخدام هذه المادة في التعبير قولا أو كتابة، فهي تدل على الإقبال بالمواجهة ؛ فيقال : " قدم فلان " دليل إقباله عليك مواجهة، وإذا قيل : " أقبل فلان " فهذا يعني الإقبال بشيء من العزم، و " قدم القوم يقدمهم " أي : أنهم يتقدمون في اتجاه واحد، ومن يقودهم يتقدمهم.
ويفهم من هذا أن فرعون اتبعه الملأ، والقوم اتبعوه الملأ وفرعون، وماداموا قد اتبعوه في الأولى ؛ فلا بد أن يتبعوه في الآخرة.
ويأتي القرآن بآيات ويبينها، مثل قول الحق سبحانه : فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيّا(٢) ( ٦٨ ) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمان عتيّا ( ٦٩ ) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليّا ( ٧٠ ) [ مريم ].
فالحق سبحانه ينزع من كل جماعة الأشد فتوة وسطوة، ويلقيه في النار، لأنه أعلم بمن يجب أن يصلى السعير.
ويقول الحق سبحانه : وإن منكم إلا واردها(٣) كان على ربك حتما مقضيا(٤) ( ٧١ ) ثم ننجّي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا ( ٧٢ ) [ مريم ].
ولم يقل الحق سبحانه : " وإن منهم إلا واردها ". وإنما قال : وإن منكم إلا واردها... ( ٧١ ) [ مريم ] : وبذلك عمم الخطاب للكل، أو أنه يستحضر الكفار ويترك المؤمنين بمعزل.
وهنا يقول الحق سبحانه عن قوم فرعون : .. فأوردهم النار وبئس الورد المورود(٥) ( ٩٨ ) [ هود ] : وحين تكلم كتاب الله الكريم عن " الورود "، وهو الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين، نجد أن الورود يأتي بمعنى الذهاب إلى الماء دون شرب من الماء، قلت : " وردَ يردُ وروداً "، وإن أردت التعبير عن شرب الماء مع الورود، فقل : " وردَ يردُ وردا " بدليل أن الحق سبحانه يقول هنا : .. وبئس الورد المورود ( ٩٨ ) [ هود ] : أي : أنهم يشعرون بالبؤس لحظة أن يروا ماء جهنم ويشربون منه.
إذن : فكلمة " الورد " تطلق على عملية الشرب من الماء، وقد تطلق على ذات الواردين مثل قوله : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا(٦) ( ٨٦ ) [ مريم ].
وقد قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى(٧) في معلقته :
فلما وردن الماء زرقا جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيّم(٨).
والشاعر هنا يصف الركب ساعة يرى المياه الزرقاء الخالية من أي شيء يعكرها أو يكدرها، فوضع القوم عصا الترحال.
وكان الغالب قديما أن يحمل كل من يسير عصا في يده، مثل موسى عليه السلام حين قال : هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى(٩) ( ١٨ ) [ طه ].
ويقول الشاعر(١٠) :
فألقت عصاها واستقر بها النوى(١١) **** كما قر عينا بالإياب(١٢) المسافر
فساعة رأى الرطب المياه زرقاء، فهذا يعني أنها مياه غير مكدرة.
ونحن نعلم أن المياه لا لون لها، ولكنها توصف بالزرقة إن كانت خالية من الشوائب، شديدة الصفاء، فتنعكس عليها صورة السماء الزرقاء.
والشاعر يصف قومه ساعة أن وصلوا إلى الماء الصافي وتوقفوا وأقاموا في المكان.
وهكذا نجد أن الورود يعني الذهاب إلى الماء دون الشرب منه. والورد للماء يفرح النفس أولا، ثم يورده ويرويه ما يشربه منها، ومن يرد الماء لا شك أنه يعاني من ظمأ يريد أن يرويه، وحرارة كبد يريد أن يبردها.
وهنا يقول الحق سبحانه : .. وبئس الورد المورود ( ٩٨ ) [ هود ] : وفي هذا تهكم شديد، لأنهم –قوم فرعون- ساعة يرون الماء يشعرون بقرب ري الظمأ وإبراد الحرارة، ولكنهم يشربون من ماء جهنم، فبئس ما يشربون، فهو يطعمهم أولا، ثم يؤيسهم بعد ذلك.
كما في قوله سبحانه : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي(١٣) الوجوه.. ( ٢٩ ) [ الكهف ] : فهم ساعة يسمعون كلمة " يغاثوا " يفهمون أن هناك فرج قادما لهم، فإذا ما علموا أنه ماء كالمهل يشوي الوجوه، عانوا من مرارة التهكم.
ولله المثل الأعلى : فأنت قد تجد من يدعوك لأطايب الطعام، وبعد ذلك تغسل يديك، فيلح عليك من دعاك إلى تناول الحلوى، فتستشرف نفسك إلى تناول الحلوى، بينما يكون من دعاك قد أوصى الطباخ أن يخلط الحلوى بنبات " الشطة " فيلتهب جوفك ؛ أليس في هذا تهكم شديد ؟ !
والحق سبحانه يبين لهم أن الورد إنما جاء لترطيب الكبد، لكن أكبادهم ستشعل بما تشربونه من هذا الماء، وكذلك الطعام الذي يأكله أهل النار.
والحق سبحانه يقول : ولا طعام إلا من غسلين(١٤)( ٣٦ ) [ الحاقة ] : وهكذا تصير النكبة نكبتين.
وبعض الناس قد فهم قول الحق سبحانه : وإن منكم إلا واردها... ( ٧١ ) [ مريم ] :
بمعنى أنهم جميعا سوف يردون جهنم.
ولكن الحق سبحانه يقول أيضا : ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليّا ( ٧٠ ) [ مريم ] : إذن : فالحق سبحانه يعطي لكل الناس صورة للنار، فإذا رأى المؤمنون النار وتسعرّها(١٥)، ولم يدخلوها، عرفوا كيف نجَّتهم كلمة الإيمان منها فيحمدون الله سبحانه وتعالى على النجاة.

١ - يقدم قومه: يتقدمهم كما يتقدم الوارد. فأوردهم النار: أدخلهم فيها بكفره وكفرهم.
الورد المورود: المدخل المدخول فيه، وهو النار، [كلمات القرآن]..

٢ - جثيا: باركين على ركبهم لشدة الهول. عتيا: عصيانا، أو جراءة أو فجورا، صليا: دخولا أو مقاساة لحرها. [كلمات القرآن]..
٣ - واردها: أي: بالغ النار، وواصل إليها، فمنهم من يردها ليدخلها، ومنهم من لا يدخلها ويكون وصوله إليها ورؤيتها ليدرك مقدار نعمة الله سبحانه عليه بالنجاة منها. [القاموس القويم ٢/ ٣٣٠]، وورود في [كلمات القرآن]: واردها، أي: بالمرور على الصراط الممدود عليها..
٤ - حتم الله الأمر حتما: أوجبه، وهذا أمر حتم: أي: لازم لابد منه ولا فكاك عنه. والحتم: القضاء النافذ. قال تعالى: .. كان على ربك حتما مقضيا (٧١) [مريم] أي: أن ورود المخاطبين من الكفار النار ليعذبوا فيها هو قضاء نافذ لازم، وقيل: يردها المؤمنون أيضا ليدركوا مقدار نعمة الله عليهم بالنجاة منها. مقضيا: أي: محكوما به مفروغا منه، لا راد له، ولا معقب عليه. [القاموس القويم ١/ ١٤١]..
٥ - بئس الورد المورود: أي: بئس الموضع الذي يرده الإنسان فيلاقي فيه العذاب الأليم. [القاموس القويم ٢ /٣٣٠]..
٦ - الورد: الماء أو موضعه، أو الإبل الواردة على سبيل المجاز. قال تعالى: و نسوق المجرمين إلى جهنم وردا (٨٦) [مريم] أي: جماعة يردونها ويدخلونها كما ترد الإبل الماء. [القاموس القويم ٢/ ٣٣٠].
٧ حكيم الشعراء في الجاهلية، من قبيلة مضر، ولد في بلاد "مزينة" بنواحي المدينة، كان أبوه وخاله وابناه كعب وبجير شعراء، وكذلك أختاه سلمى والخنساء، توفي عام [١٣ ق هـ]. [انظر: الأعلام لخير الدين الزركلي]..
٨ - الجمام: ما اجتمع منه في البئر والحوض وغيرها. ووضع العصى: كناية عن الإقامة، لأن المسافرين إذا أقاموا وضعوا عصيهم. والتخيم: ابتناه الخيمة. [راجع: شرح المعلقات السبع للزوزني- ص ٨٢]. والمعلقة من بحر الطويل..
٩ هش الشجر يهشه هشا: ضربه بعصا ليسقط ورقه لتأكله الماشية، قال تعالى: وأهش بها على غنمي..(١٨) [طه] أي: أسقط بعصاي أوراق الأشجار على غنمي لتأكلها.
ومآرب أخرى: أي: حاجات وأغراض كثيرة أخرى كاتقاء ضرر أو غير ذلك، [القاموس القويم ١/ ١٧] بتصرف..

١٠ - هو: معقر بن حمار. [قاله ابن منظور في لسان العرب- مادة: نوى]..
١١ - النية والنوى": الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، والنية والنوى جميعا: البعد، والنوى: الدار، والنوى: التحول من مكان إلى مكان آخر أو من دار إلى دار غيرها، وقد أورد ابن منظور هذا البيت في اللسان مادة: نوى..
١٢ - الإياب: الرجوع والعودة. آب يؤوب: يرجع. ومنه قوله تعالى: وإن إلينا إيابهم (٢٥) [الغاشية] أي: رجوعهم. والمآب: المرجع، اسم زمان واسم مكان، [القاموس القويم ١/ ٤٢]..
١٣ -كالمهل: مثل دردى الزيت أو كالمذاب من المعادن. كلمات القرآن] والمهل: المعدن المذاب والقطران وعكر الزيت المغلي، والقيح. [القاموس القويم ٢/ ٢٤٢].
١٤ - الغسلين: غسالة أبدان أهل النار، أو ما يسيل من جلود أهل النار من القيح وغيره مما تعافه النفس وتكرهه. قال تعالى: ولا طعام إلا من غسلين (٣٦) [الحاقة]. [القاموس القويم ٢/ ٥٤]..
١٥ - سعرت النار: اشتعلت، وأسعرها: أوقدها وهيجها، وسعرها-بالتشديد-: هيجها. قال تعالى: وإذا الجحيم سعرت (١٢) [التكوير] أي: أوقدت بشدة [القاموس القويم ١/ ٣١٣]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير