قوله : وامرأته حَمَّالَةَ الحطب .
قرأ العامة : بالرفع، على أنها جملة من مبتدأ وخبر، سيقت للإخبار بذلك.
قيل : وامرأته، عطف على الضمير في «سيصلى » سوغه الفصل بالمفعول، و«حمَّالة الحَطبِ » على هذا فيها أوجه : كونها نعتاً ل «امرأته »، وجاز ذلك ؛ لأن إضافته حقيقية، إذ المراد المعنى، وكونها بياناً أو بدلاً ؛ لأنها أقرب من الجوامد لتمحض إضافتها، أو كونها خبراً لمبتدأ مضمر أي : هي حمالةُ.
وقرأ ابن عباس١ - رضي الله عنهما - : ومريئته حمالة الحطب.
وعنه أيضاً :«ومريته » على التصغير، إلا أنه أقر الهمزة تارة، وأبدلها ياء، وأدغم فيها أخرى.
وقرأ العامة :«حَمَّالةُ » بالرفع، وعاصم٢ بالنصب على الشَّتم. وقد أتى بجميل من سبّ أم جميل.
قال الزمخشري٣ : وكانت تكنى أم جميل، لعنها الله.
وقيل : نصب على الحال من «امرأته » إذا جعلناها مرفوعة بالعطف على الضمير.
ويضعف جعلها حالاً عند الجمهور من الضمير في الجار بعدها إذا جعلناها ل «امْرَأتهُ »، لتقدمها على العامل المعنوي، واستشكل بعضهم الحالية - لما تقدم - من أن المراد به المعنى، فتتعرف بالإضافة، فكيف يكون حالاً عند الجمهور ؟
ثم أجاب بأن المراد الاستقبال ؛ لأنه ورد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا.
وفي قوله تعالى : حَمَّالَةَ الحطب قولان :
أحدهما : هو حقيقة.
قال قتادة : كانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر، ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها، فعيرت بالبخل٤.
وقال ابن زيد والضحاك : كانت تحمل العِضَاهَ، والشَّوك، فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكان صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير٥.
وقال مُرَّة الهمذاني : كانت أم جميل - لعنها الله - تأتي كل يوم بإبالة من الحسك فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها.
القول الثاني : أنه مجاز عن المشي بالنميمة، ورمي الفتن بين الناس ؛ قال :[ الرجز ]
| ٥٣٤٦- إنَّ بَنِي الأدْرمِ حَمَّالُو الحطبْ | هُمْ الوشَاةُ في الرِّضَا وفي الغَضَبْ |
وقال آخر :[ الطويل ]
٥٣٤٧- مِن البيضِ لَمْ تَصطَدْ عَلى ظَهْر لأمَةٍ*** لمْ تَمْشِ بَينَ الحَيِّ بالحطَبِ٧ الرَّطبِ
وجعله رطباً تنبيهاً على تدخينه، وهو غريب من ترشيح المجاز، يعني لم تمش بالنمام.
وقال سعيد بن جبيرٍ : حمالة الخطايا، والذنوب، من قولهم : فلان يحتطب ظهره٨.
قال تعالى : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ [ الأنعام : ٣١ ].
وقرأ أبو قلابة٩ :«حاملة الحطب » على وزن «فاعلة »، وهي محتملة لقراءة العامة، وقرأ عياض١٠ :«حمالة للحطب » بالتنوين وجر المفعول بلام زائدة تقوية للعامل كقوله تعالى : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [ البروج : ١٦ ]، وأبو عمرو في رواية :«وامرأته » باختلاس الهاء دون إشباع.
تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه :
أولها : الإخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك.
وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك.
وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك ؛ لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى «مكة»، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة.
فصل في جواز تكليف ما لا يطاق
احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال، وذلك مذكور في أصول الفقه.
٢ ينظر: السبعة ٧٠٠، والحجة ٦/٤٥١، وإعراب القراءات ٢/٥٤٢، وحجة القراءات ٧٧٦..
٣ الكشاف ٤/٨١٥..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٦٣)، وأخرجه الطبري (١٢/٧٣٦)..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧٣٦)، عن الضحاك وابن زيد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٧٠٢)، عن ابن زيد وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
٦ ينظر القرطبي ٢٠/١٦٣، والبحر ٨/٥٢٨..
٧ البيت ليعقوب ينظر الكشاف ٤/٨١٥، والقرطبي ٢٠/١٦٣، والبحر ٨/٥٢٨، والدر المصون ٦/٥٨٦..
٨ ينظر: الماوردي (٦/٣٦٧)، والقرطبي (٢٠/١٦٤)..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٣٥، والدر المصون ٦/٥٨٦..
١٠ ينظر: الدر المصون ٦/٥٨٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود