ﮚﮛﮜ

تَرَكَهُ ابْنَاهُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مَا يَدْفِنَاهُ حَتَّى أَنْتَنَ فِي بَيْتِهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّقِي الْعَدَسَةَ وَعَدْوَاهَا كَمَا يَتَّقِي النَّاسُ الطَّاعُونَ، وَقَالُوا نَخْشَى هَذِهِ الْقُرْحَةَ، ثُمَّ دَفَنُوهُ وَتَرَكُوهُ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ وَثَالِثُهَا: الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: احْتَجَّ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُقُوعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ أَبَا لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِيمَانِ تَصْدِيقُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ، وَمِمَّا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَأَنَّهُ من أهل النار، فقد صار مكلفا بأنه يُؤْمِنَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، وَهَذَا تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَجَابَ الْكَعْبِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ آمَنَ أَبُو لَهَبٍ لكان لهذا الخبر خبرا بِأَنَّهُ آمَنَ، لَا بِأَنَّهُ مَا آمَنَ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ فَقَالَ: مَتَى قِيلَ: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ؟ فَجَوَابُنَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِلَا أَوْ نَعَمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ عَنْ عَدَمِ إِيمَانِهِ وَاقِعٌ، وَالْخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ إِيمَانِهِ يُنَافِيهِ وُجُودُ الْإِيمَانِ مُنَافَاةً ذَاتِيَّةً مُمْتَنِعَةَ الزَّوَالِ فَإِذَا كَانَ كَلَّفَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْإِيمَانِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْخَبَرِ فَقَدْ كَلَّفَهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي: فَأَرَكُّ مِنَ الْأَوَّلِ لِأَنَّا لَسْنَا فِي طَلَبِ أَنْ يَذْكُرُوا بِلِسَانِهِمْ لَا أَوْ نَعَمْ، بَلْ صَرِيحُ الْعَقْلِ شَاهِدٌ بِأَنَّ بَيْنَ كَوْنِ الْخَبَرِ عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ صِدْقًا، وَبَيْنَ وُجُودِ الْإِيمَانِ مُنَافَاةً ذَاتِيَّةً، فَكَانَ التَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ أَحَدِ الْمُتَضَادَّيْنِ حَالَ حُصُولِ الْآخَرِ تَكْلِيفًا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ قَائِمٌ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْخَصْمُ بِلِسَانِهِ شَيْئًا أم بقي ساكتا. أما قوله تعالى:
[سورة المسد (١١١) : آية ٤]
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)
فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قُرِئَ (وَمُرَيْئَتُهُ) بِالتَّصْغِيرِ وَقُرِئَ (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) بِالنَّصْبِ عَلَى الشَّتْمِ، قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : وَأَنَا أَسْتَحِبُّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ وَقَدْ تَوَسَّلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَمِيلٍ مَنْ أَحَبَّ شَتْمَ أُمِّ جَمِيلٍ وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ وَالرَّفْعِ.
المسألة الثانية: أم جميل بن حَرْبٍ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ عَمَّةُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ فِي غَايَةِ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ كَوْنِهَا حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ وَالْحَسَكِ فَتَنْثُرُهَا بِاللَّيْلِ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ بَيْتِ الْعِزِّ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهَا حَمَّالَةُ الْحَطَبِ؟ قُلْنَا:
لَعَلَّهَا كَانَتْ مَعَ كَثْرَةِ مَالِهَا خَسِيسَةً أَوْ كَانَتْ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهَا تَحْمِلُ بِنَفْسِهَا الشَّوْكَ وَالْحَطَبَ، لِأَجْلِ أَنْ تُلْقِيَهُ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ وَثَانِيهَا: أَنَّهَا كَانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ يُقَالُ: لِلْمَشَّاءِ بِالنَّمَائِمِ الْمُفْسِدِ بَيْنَ النَّاسِ: يَحْمِلُ الْحَطَبَ بَيْنَهُمْ، أَيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النَّائِرَةَ، وَيُقَالُ لِلْمِكْثَارِ: هُوَ حَاطِبُ/ لَيْلٍ وَثَالِثُهَا: قَوْلُ قَتَادَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ بِالْفَقْرِ، فَعُيِّرَتْ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَطِبُ وَالرَّابِعُ: قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ مَا حَمَلَتْ مِنَ الْآثَامِ فِي عَدَاوَةِ الرَّسُولِ، لِأَنَّهُ كالحطب في تصيرها إِلَى النَّارِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ تَعَالَى شَبَّهَ فَاعِلَ الْإِثْمِ بِمَنْ يَمْشِي وَعَلَى ظَهْرِهِ حِمْلٌ، قَالَ تَعَالَى: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الْأَحْزَابِ: ٥٨] وَقَالَ تَعَالَى: يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى

صفحة رقم 353

ظُهُورِهِمْ
[الْأَنْعَامِ: ٣١] وَقَالَ تَعَالَى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الْأَحْزَابِ: ٧٢].
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: (امْرَأَتُهُ) إِنْ رَفَعْتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ فِي سَيَصْلى، أَيْ سيصلى هو وامرأته. وفِي جِيدِها فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالثَّانِي: الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَفِي جِيدِهَا الْخَبَرُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
عَنْ أَسْمَاءَ لَمَّا نَزَلَتْ تَبَّتْ جَاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ وَبِيَدِهَا حَجَرٌ، فَدَخَلَتِ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهِيَ تَقُولُ:

مُذَمَّمًا قَلَيْنَا وَدِينَهُ أَبَيْنَا
وَحُكْمَهُ عَصَيْنَا
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَقْبَلَتْ إِلَيْكَ فَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّهَا لَا تَرَانِي» وَقَرَأَ:
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء: ٤٥] وَقَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: قَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ، فَوَلَّتْ وَهِيَ تَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا
وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَبْحَاثٌ:
الْأَوَّلُ: كَيْفَ جَازَ فِي أُمِّ جَمِيلٍ أَنْ لَا تَرَى الرَّسُولَ، وَتَرَى أَبَا بَكْرٍ وَالْمَكَانُ وَاحِدٌ؟ الْجَوَابُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ، لِأَنَّ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرَائِطِ يَكُونُ الْإِدْرَاكُ جَائِزًا لَا وَاجِبًا، فَإِنْ خَلَقَ اللَّهُ الْإِدْرَاكَ رَأَى وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا أَحَدُهَا: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْرَضَ وَجْهَهُ عَنْهَا وَوَلَّاهَا ظَهْرَهُ، ثُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِغَايَةِ غَضَبِهَا لَمْ تُفَتِّشْ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ أَلْقَى فِي قَلْبِهَا خَوْفًا، فَصَارَ ذَلِكَ صَارِفًا لَهَا عَنِ النَّظَرِ وَثَانِيهَا: لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ إِنْسَانٍ آخَرَ عَلَى الرَّسُولِ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِعِيسَى وَثَالِثُهَا: لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى حَوَّلَ شُعَاعَ بَصَرِهَا عَنْ ذَلِكَ السَّمْتِ حَتَّى إِنَّهَا مَا رَأَتْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِشْكَالَ عَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ لَازِمٌ، لِأَنَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ حاضر وَلَا نَرَاهُ، وَإِذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَنَا فِيلَاتٌ وَبُوقَاتٌ، وَلَا نَرَاهَا وَلَا نَسْمَعُهَا «١».
الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَلَفَ أَنَّهُ مَا هَجَاكِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمَعَارِيضِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُسَمَّى هَجْوًا، وَلِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ الرَّسُولِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَلَى جَوَازِ الْمَعَارِيضِ.
بَقِيَ مِنْ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْآيَةِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: وَامْرَأَتُهُ بَلْ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا حَمَّالَةُ الْحَطَبِ؟ الْجَوَابُ: قِيلَ: كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ سِوَاهَا فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ أَرَادَ كُلَّ مَنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَهُ، بَلْ لَيْسَ الْمُرَادُ إِلَّا هَذِهِ الْوَاحِدَةَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ ذِكْرَ النِّسَاءِ لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْكَرَمِ وَالْمُرُوءَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذِكْرُهَا بِكَلَامِ اللَّهِ، وَلَا سِيَّمَا امْرَأَةُ الْعَمِّ؟ الْجَوَابُ: لَمَّا لم يستعبد فِي امْرَأَةِ نُوحٍ وَامْرَأَةِ لُوطٍ بِسَبَبِ كُفْرِ تَيْنِكَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَلِأَنْ لَا يُسْتَبْعَدَ فِي امْرَأَةٍ كافرة زوجها رجل كافر أولى.
(١) إنما يرد الإشكال عند من لا يقولون بالمعجزات وخوارق العادات وهي أمور لا يستطاع مع العقل جحدها ولا إنكارها، أما من يقول بها، فلا إشكال.

صفحة رقم 354

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية