علي آيات لم ير مثلهن: قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إلى آخر السورة، وقُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ إلى آخر السورة.
وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه مسلم أيضا.
الاستعاذة من شرّ الشياطين
[سورة الناس (١١٤) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
الإعراب:
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ إما بدل من شَرِّ الْوَسْواسِ وتقديره: أعوذ بربّ الناس من شرّ الجنّة والناس، وإما متعلق بمحذوف تقديره: الكائن من الجنة والناس، الذي يوسوس في صدور الناس. وفي يُوَسْوِسُ ضمير الجنّة، وذكّره لأنه بمعنى الجنّ، وكنى عنه مع التأخير لأنه في تقدير التقديم، كقوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى [طه ٢٠/ ٦٧] فتقدم الضمير لأن موسى في تقدير التقديم، والضمير في تقدير التأخير.
البلاغة:
أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وما بعدها: الإضافة للتشريف والتكريم والاستعانة، فقد أضيف الرّب إلى الناس لأن الاستعاذة من شرّ الموسوس في صدورهم، استعاذوا بربّهم مالكهم وإلههم، كما يستعيذ العبد بمولاه إذا دهمه أمر. قال أبو حيان: والظاهر أن مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ صفتان. وقال الزمخشري: عطف بيان للرّب، فإن الرّب قد لا يكون ملكا، والملك قد لا يكون إليها.
بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ إطناب بتكرار الاسم، زيادة في التكريم والعون، ومزيد البيان، والإشعار بشرف الإنسان. صفحة رقم 479
الْجِنَّةِ.. وَالنَّاسِ بينهما طباق.
يُوَسْوِسُ والْوَسْواسِ بينهما جناس اشتقاق.
ويلاحظ أن الفواصل منتهية بالسين الذي فيه جرس خافت ومهيب وله وقع في النفوس.
المفردات اللغوية:
أَعُوذُ ألتجئ وأحتمي. بِرَبِّ النَّاسِ مربّيهم ومعتني بشؤونهم، قال البيضاوي: لما كانت الاستعاذة في السورة المتقدمة من المضارّ البدنية، وهي تعمّ الإنسان وغيره، والاستعاذة في هذه السورة من المضارّ التي تعرض للنفوس البشرية، وتخصها، عمم الإضافة ثمة، وخصصها بالناس هاهنا، فكأنه قيل: أعوذ من شرّ الموسوس إلى الناس بربّهم الذي يملك أمورهم، ويستحق عبادتهم.
مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ صفتان تدلان على أنه تعالى حقيق بالإعاذة، قادر عليها، غير ممنوع عنها. الْوَسْواسِ الموسوس الذي يلقي في النفوس خواطر الشرّ والسوء. ويصح أن يراد به المصدر أي الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. الْخَنَّاسِ صيغة مبالغة، أي من عادته أن يخنس، أي يتأخر بذكر اللَّه، والخنوس: الرجوع والتأخر. مِنَ الْجِنَّةِ بيان للوسواس، جمع جني كإنسي وإنس، والجن: خلق مستتر لا يعلم به أحد إلا اللَّه تعالى.
التفسير والبيان:
قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ أي قل أيها الرسول: ألجأ وأستعين باللَّه مربي الناس ومتعهدهم بعنايته ورعايته، وخالقهم ومدبر أمرهم ومصلح أحوالهم، وله الملك التام والسلطان القاهر، وهو الإله المعبود الذي يعبده الناس، واسم الإله خاص باللَّه لا يشاركه فيه أحد، أما الملك فقد يكون إلها وقد لا يكون.
وهذه صفات ثلاث للَّه عزّ وجلّ: الربوبية، والملك، والألوهية، فهو ربّ كل شيء، ومليكه، وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة، عبيد له. وإنما قدم الربوبية لمناسبتها للاستعاذة، فهي تتضمن نعمة الصون والحماية والرعاية، ثم ذكر الملكية لأن المستعيذ لا يجد عونا له ولا غوثا إلا مالكه، ثم ذكر الألوهية لبيان أنه المستحق للشكر والعبادة دون سواه.
والسبب في تكرار لفظ النَّاسِ هو مزيد البيان والإظهار، والتنويه بشرف الناس مخلوقات اللَّه تعالى، وقال: «ربّ الناس» مع أنه ربّ جميع المخلوقات، فخصّ الناس بالذّكر للتشريف، ولأن الاستعاذة لأجلهم.
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ أي ألجأ إلى اللَّه وأحتمي من شرّ الشيطان ذي الوسوسة، الكثير الخنوس أي الاختفاء والتأخر، بذكر اللَّه، فإذا ذكر الإنسان اللَّه تعالى خنس الشيطان وانقبض، وإذا لم يذكر اللَّه انبسط على القلب. قال ابن عباس في هذه الآية: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر اللَّه خنس.
وقد سلط اللَّه الشيطان على الناس إلا من عصمه اللَّه، للمجاهدة والفتنة والاختبار،
ثبت في الصحيح أنه «ما منكم من أحد إلا وكّل به قرينه، قالوا:
وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: نعم إلا أن اللَّه أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير».
وثبت في الصحيحين عن أنس في قصة زيارة صفية للنّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وهو معتكف، وخروجه معها ليلا، ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أسرعا، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «على رسلكما، إنها صفية بنت حييّ، فقالا: سبحان اللَّه، يا رسول اللَّه، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا- أو قال: شرّا».
وروى الحافظ أبو يعلي الموصلي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر اللَّه خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخنّاس».
وروي الإمام أحمد عن أبي تميمة يحدث عن رديف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «عثر بالنّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم حماره، فقلت: تعس الشيطان، فقال النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا
قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم اللَّه، تصاغر حتى يصير مثل الذباب».
وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر اللَّه تصاغر الشيطان وغلب، وإن لم يذكر اللَّه تعاظم وغلب.
ثم أبان موضع وسوسته، فقال:
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ أي الذي يلقي خواطر السوء والشرّ في القلوب، وإنما ذكر الصدور لأنها تحتوي على القلوب، والخواطر محلها القلب، كما هو المعهود في كلام العرب.
ثم بيّن اللَّه تعالى أن الذي يوسوس نوعان: جني وإنسي، فقال:
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي أن ذلك الموسوس إما شيطان الجن، فيوسوس في صدور الناس، كما تقدم، وإما شيطان الإنس، ووسوسته في صدور الناس:
أنه يري نفسه كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة، فيجعله فريسة وسوسة الشيطان الجني. وهذا يدل على أن الوسواس قد يكون من الجن وقد يكون من الناس، كما جاء في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام ٦/ ١١٢] أي ليست العداوة قهرية جبرية، وإنما بما أودع اللَّه فيهم من قدرة الاختيار، فمنهم من يختار الإصغاء لوسوسة الشياطين، ومنهم من يحذر عداوتهم ووسوستهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
علّمنا اللَّه تعالى في هذه السورة رحمة بنا كيفية الاستعاذة من شياطين الإنس والجن، وعرفنا أنه بصفاته الثلاث: الربوبية، والملك، والألوهية، يحمي
المستعيذ من شرور الشيطان وأضراره في الدين والدنيا والآخرة. ومعنى الربوبية يدل على مزيد العناية وحرص المربي.
وإنما ذكر أنه بِرَبِّ النَّاسِ وإن كان ربّا لجميع الخلق، لأمرين:
أحدهما- لأن الناس معظّمون، فأعلم بذكرهم أنه ربّ لهم، وإن عظموا.
الثاني- لأنه أمر بالاستعاذة من شرّ الناس فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم «١». ثم ذكر صفتي الملك والألوهية ليبين للناس أنه ملكهم الحقيقي، وإن كان لهم ملوك، وأنه إلههم ومعبودهم، لا معبود لهم سواه، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه، دون الملوك والعظماء.
أوضحت السورة أن الموسوس إما شيطان الجن، وإما شيطان الإنس. قال الحسن: هما شيطانان أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة: إن من الجنّ شياطين، وإن من الإنس شياطين، فتعوّذ باللَّه من شياطين الإنس والجن.
ويلاحظ أن المستعاذ به في سورة (الفلق) مذكور بصفة واحدة وهي أنه «ربّ الفلق»، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات، وهي «الغاسق» والنَّفَّاثاتِ و «الحاسد». وأما في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث: وهي الرّب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة، وهي الوسوسة، وسبب التفرقة: أن المطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن، والمطلوب في هذه السورة سلامة الدين، ومضرة الدين، وإن قلّب، أعظم من مضارّ الدنيا وإن عظمت «٢».
(٢) تفسير الرازي: ٣٢/ ١٩٩
وبعد، فقد سجدت شكرا للَّه تبارك وتعالى على ما أولاني وأسبغ علي من كمال وفيض النعمة وتمام المنة، بانتهاء هذا التفسير الشامل للمأثور والمعقول، والجامع لأنواع البيان وأحكام القرآن، وهو تفسير العصر، وذلك في تمام الساعة الثامنة من صبيحة يوم الاثنين المبارك الواقع ١٣ من ذي القعدة ١٤٠٨ هـ، الموافق ٢٧/ ٦/ ١٩٨٨ م، وكان العمر حينذاك ٥٦ عاما. وقد تفرغت لهذه المهمة خلال سنوات طوال، هاجرت فيها إلى دولة الإمارات- العين، تاركا الأهل والولد، مستغرقا في عظمة كلام ربّي عزّ وجلّ، فازددت إيمانا على إيمان.
وكان أول مؤلف لي في بلدتي «دير عطية» من نواحي دمشق الفيحاء، التي ولدت فيها سنة ١٩٣٢ م، وهو آثار الحرب في عام ١٩٦٢ م، ثم تابعت التأليف والبحث وكتبت أغلب مؤلفاتي وبحوثي التي أربت على الثلاثين في رياض دمشق والعين، فاللهم لك الحمد والشكر، اجعل كل حرف من كتابك وتفسيره وجميع ما صنفت خالصا لوجهك الكريم، وحقق به النفع والخير، وأعتق به من نارك في الآخرة كل جزء من جسمي وروحي، وشعري وبشري، وعظمي ولحمي، وسمعي وبصري، ومخي ودمي، وأدخلني الجنة بستر وسلام.
سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يا لطيفا فوق كل لطيف الطف بي في أموري كلها كما أحب، ورضني في دنياي وآخرتي، واغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات.
الخاتمة
من أحكام الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، أي بالبداهة أن إنزال القرآن المجيد على نبي هذه الأمة الإسلامية قصد به العمل بكل ما جاء فيه من الأحكام والشرائع والعقائد والآداب والأخلاق والمواعظ، وأنه لا يكفي المسلّم أو المسلمة مجرد قراءته أو تلاوته للتعبد والبركة، وإنما للاستفادة بما جاء فيه، فهو دستور الأمة، ونظام حياة الفرد والجماعة، والرعية والدولة.
والسائد في الوسط العلمي أنه لا يستغنى بتفسير قديم عن تفسير آخر، لاختلاف مناهج المفسرين، وامتياز كل تفسير بميزة لا تتوافر في الآخر، فهذا في العقيدة، وهذا في الأحكام، وذاك في الآثار والروايات الكثيرة، وآخر في التأويل بالمعقول أو في العلوم الكونية، والكل يكمل بعضه بعضا، أما في العصر الحديث فيصعب على كل مسلّم أو بيت اقتناء جميع التفاسير المطولة والمتوسطة والمختصرة، فضلا عن عسر فهمها أحيانا، وإطالتها، واستطرادها في كثير من الأحوال لأمور بعيدة أو قريبة عن التفسير، وينقصها جميعها التفسير الشامل الموضوعي للآيات، لفهمها جملة واحدة، بسبب عنايتها بالجزئيات والفرعيات، دون وجود تصور متكامل أو عام فيها للآية أو لطائفة من الآيات، وصعوبة إدراك مشتملات السورة وارتباط أجزائها ببعضها، أو التعرف على موضوعها المقصود.
وكذلك يكثر السؤال في وقتنا عادة عن أحسن تفسير يعتمد عليه لمتوسط الثقافة، فلا يكاد المرء يجد جوابا شافيا لأن القديم وعر المسالك، والجديد فيه
هنات وسقطات، أو جنوح لتأييد بعض الآراء المذهبية، أو تطرف وبعد في التأويل وإغراب في بعض الأحيان لإرضاء أذواق العصر.
لذا وجب وضع تفسير شامل معتدل غير متطرف، يجمع بين مزايا التفاسير المختلفة وييسر على القارئ والتالي فهم الآيات الكريمة بدقة ووعي، ويحيط بكل ما هو ضروري يحقق مقاصد القرآن العظيم في العقيدة والعبادة والتشريع والآداب والأخلاق والسلوك القديم في الحياة، ويفسر القرآن بالقرآن وبالسّنة الصحيحة والسيرة الثابتة، وهذا ما أوردته في هذا الكتاب، كما أردت بيان ما يستنبط من الآيات من أحكام شرعية مختلفة.
وذلك بعد أن ألحّ علي بعض إخواني لتحقيق هذه الغاية، فتوقفت أولا، ثم شرح اللَّه صدري للعمل الذي يحتاج لجهود مكثفة ووقت طويل الأمد، فوضعت هذا التفسير الشامل لطريقتي أهل المأثور والمعقول، والجامع لأحكام القرآن الذي أنار الطريق أمام كل تال للقرآن، بعبارة سهلة واضحة، وأسلوب سلس بيّن، ومنهج منظم متدرج من المفردات إلى الكليات، وكان بحمد اللَّه تعالى جامعا بين طريقة الوجيز والوسيط والمبسوط، فبيان المفردات اللغوية والإعراب والبلاغة يحقق الإيجاز لمن يكتفي به والتعرف على أسباب النزول والمناسبة بين الآيات والسور وقصص القرآن والبيان لكل طائفة من الآيات، يلبي مطلب التوسط في المعرفة والعلم والانتقال إلى بيان فقه الحياة بمعنى «الفقه الأكبر» الشامل للعقيدة والأخلاق والأعمال والأحكام العملية المستنبطة من الآيات، يتجاوب مع رغبة من أراد التوسط والإطالة والاستيعاب.
ومن أجل السير في هذه المراتب الثلاثة المتدرجة، قد يوجد تكرار بينها بقصد تلبية الحاجة، وتيسير المطلب دون حاجة للرجوع إلى ما سبق.
أما المصادر: فقد نبهّت عليها في المقدمة، وأكرر القول بأنني اعتمدت على
أغلب ما كتب في التفسير قديما وحديثا، مبتدئا بتفسير إمام المفسرين ابن جرير الطبري في الآثار والمعقول معا وأسباب النزول وبعض التصويبات والترجيحات، ثم اعتمدت على تفسير الكشاف للزمخشري، والبحر المحيط لأبي حيّان التوحيدي، وغرائب القرآن للنظام الأعرج وغيرها كالبيضاوي والنسفي وأبي السعود والجلالين في اللغويات والمعاني الدقيقة، والمناسبات، وعلى تفسير الفخر الرازي «التفسير الكبير» في العقائد والإلهيات والكونيات والأخلاق وبعض الأحكام ومناسبات الآيات والسور، وأسباب النزول، مع الرجوع في بيان الأسباب أيضا إلى «أسباب النزول» للواحدي النيسابوري، و «أسباب النزول» للسيوطي.
كما اعتمدت على تفسير الإمام القرطبي، وأحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للجصاص الرازي في معرفة الأحكام الفقهية، ورجعت في ذلك وغيره أيضا إلى تفسير الحافظ ابن كثير وفتح القدير للشوكاني والتسهيل لعلوم التنزيل لابن جزيّ، لبيان معاني الآيات وتأييدها بالأحاديث والأخبار الصحاح، كما استقيت بعض المعلومات من تفسيري الخازن والبغوي.
واستأنست أحيانا بعبارات بعض المفسرين الجدد الجميلة والمفيدة، كتفسير المنار للشيخ رشيد رضا، ومحاسن التأويل للقاسمي، وتفسير المراغي، وفي ظلال القرآن، رحم اللَّه الجميع وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
وقد تجنّبت الأخذ في أسباب النزول وغيرها بالأحاديث والروايات الضعيفة والإسرائيليات الدخيلة التي لا تتفق مع عصمة الأنبياء، وضمان سلامة الوحي.
وأما الإعراب فمرجعي الأصلي كتاب (البيان في إعراب القرآن) لأبي البركات بن الأنباري، وأما البلاغة فمرجعي في الغالب كتاب (صفوة التفاسير) للشيخ محمد علي الصابوني، وأما قصص الأنبياء فكنت أرجع مع الحذر
لكتاب (قصص الأنبياء) للأستاذ عبد الوهاب النجار، وأما أحداث ووقائع الغزوات والسيرة فعمدتي فيها كتب السيرة الشهيرة كسيرة ابن هشام، وابن إسحاق، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرها مما كتب قديما وحديثا.
وأستطيع أن أقول عن خبرة وتجربة وبعد أن عانيت التأليف في رحاب الجامعات مدة ربع قرن فأكثر في الفقه الإسلامي وأصوله وفي الحديث النبوي، وتفسير كتاب اللَّه وغير ذلك: إنه لا تصح العقيدة، ولا تشرق في النفس معانيها إلا بالقرآن، ولا يستقيم سلوك مسلّم إلا بفهم كتاب اللَّه، ولا تلين النفس بعد القرآن إلا بالحديث النبوي وروحانيته الفياضة، ولا يصح عمل المسلّم إلا بالأحكام الشرعية المقررة في الفقه، ولا يعصم العقل والفهم عن الخطأ، ولا تنضبط أحكام الشريعة إلا بأصول الفقه.
ولا أجد الآن خيرا من إهداء شيء للمسلمين في كل مكان، حكاما ومحكومين، غير هذا
الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الترمذي والدّارمي عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي اللَّه عنه مرفوعا: «كتاب اللَّه تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللَّه، هو حبل اللَّه المتين، ونوره المبين، والذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه، هدي إلى صراط مستقيم».
وكلمتي الأخيرة: إنني في نفسي بالذات كلما فسّرت آية أو سورة من كتاب اللَّه، ازددت إيمانا بصحة تنزيل هذا الكتاب المجيد على محمد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم،
وبأنه الكتاب الوحيد المنقذ للبشرية من تخبطها في دياجير الظلمة والضلال، كما ازددت انبهارا وثقة ويقينا بإعجاز القرآن وعظمته، فمهما حاولت إحصاء المعاني والأحكام، يظل كلام اللَّه عز وجل البحر الزاخر والفيض العارم الذي لا يمكن الإحاطة بمراده ومشتملاته، ولكن عملي جهد المقلّ والعبد الضعيف الخاضع للَّه وحده، والعاجز عن إدراك جميع معاني القرآن، والذي يكفيني إعلانه هو القول بأن القرآن العظيم هو الكتاب الفذّ الأول الذي أثّر في فكري وسلوكي وتكوين شخصيتي، فاللهم وفقنا جميعا للعمل به، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
الأستاذ الدكتور/ وهبة مصطفى الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق
[الجزء الاول]
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله منزّل الكتاب على قلب محمد النّبي الأمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين. وبعد:فإنه لم يحظَ كتاب في الوجود بعناية مثلما حظي به القرآن الكريم، الذي كتبت حوله مئات الكتب، وسيظل مورد العلماء، وهذا بالتالي كتاب اصطفيت فيه من العلوم والمعارف والثقافات المستقاة من معين القرآن الكريم الذي لا ينضب، ما هو لصيق الصلة بحاجات العصر، ومتطلبات التثقيف، بأسلوب جلي مبسّط، وتحليل علمي شامل، وتركيز على الغايات والأهداف المنشودة من تنزيل القرآن المجيد، ومنهج بعيد عن الإطالة المملّة، والإيجاز المخلّ الذي لا يكاد يفهم منه شيء لدى جيل بعدوا عن اللسان العربي في طلاوة بيانه، وأعماق تراكيبه، وإدراك فحواه، وكأنهم أصبحوا- بالرغم من الدّراسات الجامعية المتخصصة- في غربة عن المصادر الأصيلة، والثروة العلمية العريقة في شتى العلوم من تاريخ وأدب وفلسفة وتفسير وفقه وغيرها من العلوم الإسلامية الكثيرة الخصبة.
فكان لا بدّ من تقريب ما صار بعيدا، وإيناس ما أصبح غريبا، وتزويد المسلم بزاد من الثقافة بعيدة عن الدّخيل كالإسرائيليات في التفسير، ومتفاعلة مع الحياة المعاصرة، ومتجاوبة مع القناعة الذاتية، والأصول العقلية، والمرتكزات الفكرية السليمة، وهذا يقتضينا تمحيص المنقول في تفاسيرنا، حتى إن منها صفحة رقم 5
- تأثرا بروايات إسرائيلية- أحدث شرخا غير مقصود في عصمة بعض الأنبياء، واصطدم مع بعض النظريات العلمية التي أصبحت يقينية الثبوت بعد غزو الفضاء، واتساع ميادين الكشوف العلمية الحديثة، علما بأن دعوة القرآن تركزت على إعمال العقل والفكر وشحذ الذهن وتسخير المواهب في سبيل الخير، ومحاربة الجهل والتخلف.
وهد في الأصيل من هذا المؤلّف هو ربط المسلم بكتاب الله عزّ وجلّ ربطا علميا وثيقا: لأن القرآن الكريم هو دستور الحياة البشرية العامة والخاصة، للناس قاطبة، وللمسلمين خاصة، لذا لم أقتصر على بيان الأحكام الفقهية للمسائل بالمعنى الضيق المعروف عند الفقهاء- وإنما أردت إيضاح الأحكام المستنبطة من آي القرآن الكريم بالمعنى الأعم الذي هو أعمق إدراكا من مجرد الفهم العام، والذي يشمل العقيدة والأخلاق، والمنهج والسلوك، والدستور العام، والفوائد المجنية من الآية القرآنية تصريحا أو تلميحا أو إشارة، سواء في البنية الاجتماعية لكل مجتمع متقدم متطور، أم في الحياة الشخصية لكل إنسان، في صحته وعمله وعلمه وتطلّعاته وآماله وآلامه ودنياه وآخرته، تجاوبا في المصداقية والاعتقاد مع قول الله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال ٨/ ٢٤].
- إنه الحق سبحانه وتعالى ورسول الحق في هذه الآية اللذان يدعوان كل إنسان في هذا الوجود إلى الحياة الحرة الكريمة الشريفة بكل صورها ومعانيها.
- إنه الإسلام الذي يدعو إلى عقيدة أو فكرة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهام الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، وتحرر الإنسان من العبودية لغير الله، ومن الخضوع للأهواء والشهوات، ومن طغيان المادية القاتلة للشعور الإنساني السامي.
- إنه القرآن الذي يدعو إلى شريعة العدل والحق والرحمة العامة بالإنسانية، ويدعو إلى منهج سليم للحياة والفكر والتصور والسلوك، وإلى نظرة شاملة للوجود توضح علاقة الإنسان بالله تعالى وبالكون والحياة.
وهي دعوة قائمة على العلم والمعرفة الصحيحة والتجربة، والعقل والفكر الناضج الذي لا يفتر من كدّ الذهن وتشغيل المدارك، والنظر في هذا الكون سمائه وأرضه، برّا وبحرا وجوّا، وهي دعوة أيضا إلى القوة والعزة والكرامة والثقة والاعتزاز بشريعة الله، والاستقلال، مع الاستفادة من علوم ومعارف الآخرين، لأن العلم ليس حكرا على شعب دون شعب، وإنما هو عطاء إنساني عام، كما أن تحرير الإنسان وتحقيق إنسانيته العليا هدف إلهي عام، يعلو على مصالح الطغاة والمستبدين الذين يحاولون مصادرة إنسانية الإنسان من أجل الإبقاء على مصالحهم الخاصة، واستعلائهم على غيرهم، وتسلطهم على بني البشر.
ولن يتأثر الاعتقاد بأصالة دعوة القرآن الخيّرة هذه إلى الناس كافة، بما يوضع أمامها من عراقيل، أو يبث حول جدارتها من شكوك أمام النهضة الحضارية المادية الجبارة، لأن هذه الدعوة ليست روحانية مجردة، ولا فلسفة خيالية أو نظرية بحتة، وإنما هي دعوة واقعية مزدوجة تضم بين جناحيها الدعوة إلى عمارة الكون، وبناء الدنيا والآخرة معا، وتعاضد الروح والمادة معا، وتفاعل الإنسان مع كل مصادر الثروة في هذا الكون، الذي سخّره الله تعالى للإنسان وحده استعمالا وانتفاعا، واستنباطا واختراعا، وإفادة واستكشافا مستمرا، كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة ٢/ ٢٩].
والمهم من التفسير والبيان مساعدة المسلم على تدبّر القرآن الكريم المأمور به في قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص ٣٨/ ٢٩].
وإذا كان هدفي هو وضع تفسير للقرآن الكريم يربط المسلم وغير المسلم بكتاب الله تعالى- البيان الإلهي ووحيه الوحيد حاليا، الثابت كونه كلام الله ثبوتا قطعيا بلا نظير له ولا شبيه- فإنه سيكون تفسيرا يجمع بين المأثور والمعقول، مستمدا من أوثق التفاسير القديمة والحديثة، ومن الكتابات حول القرآن الكريم تأريخا، وبيان أسباب النزول، وإعرابا يساعد في توضيح كثير من الآيات، ولست بحاجة كثيرة إلى الاستشهاد بأقوال المفسرين، وإنما سأذكر أولى الأقوال بالصواب بحسب قرب اللفظ من طبيعة لغة العرب وسياق الآية.
ولست في كل ما أكتب متأثرا بأي نزعة معينة، أو مذهب محدد، أو إرث اعتقادي سابق لاتجاه قديم، وإنما رائدي هو الحق الذي يهدي إليه القرآن الكريم، على وفق طبيعة اللغة العربية، والمصطلحات الشرعية، مع توضيح آراء العلماء والمفسرين، بأمانة ودقة وبعد عن التعصب.
ولكن ينبغي البعد عن استخدام آيات القرآن لتأييد بعض الآراء المذهبية أو اتجاهات الفرق الإسلامية، أو التعسّف في التأويل لتأييد نظرية علمية قديمة أو حديثة، لأن القرآن الكريم أرفع بيانا، وأرقى مستوى، وأعلى شأنا من تلك الآراء والمذاهب والفرق، وليس هو كتاب علوم أو معارف كونية كالفلك وعلم الفضاء والطب والرياضيات ونحوها، وإن وجدت فيه بعض الإشارات إلى نظرية ما، وإنما هو كتاب هداية إلهية، وتشريع ديني، ونور يهدي لعقيدة الحق، وأصلح مناهج الحياة، وأصول الأخلاق والقيم الإنسانية العليا، كما قال الله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة ٥/ ١٥- ١٦].
وينحصر منهجي أو خطة بحثي فيما يأتي:
١- قسمة الآيات القرآنية إلى وحدات موضوعية بعناوين موضحة.
٢- بيان ما اشتملت عليه كل سورة إجمالا.
٣- توضيح اللغويات.
٤- إيراد أسباب نزول الآيات في أصح ما ورد فيها، ونبذ الضعيف منها، وتسليط الأضواء على قصص الأنبياء وأحداث الإسلام الكبرى كمعركة بدر وأحد من أوثق كتب السّيرة.
٥- التفسير والبيان.
٦- الأحكام المستنبطة من الآيات.
٧- البلاغة وإعراب كثير من الآيات، ليكون ذلك عونا على توضيح المعاني لمن شاء، وبعدا عن المصطلحات التي تعوق فهم التفسير لمن لا يريد العناية بها.
وسأحرص بقدر الإمكان على التفسير الموضوعي: وهو إيراد تفسير مختلف الآيات القرآنية الواردة في موضوع واحد كالجهاد والحدود والإرث وأحكام الزواج والرّبا والخمر، وسأبيّن عند أول مناسبة كل ما يتعلّق بالقصة القرآنية مثل قصص الأنبياء من آدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام وغيرهم، وقصة فرعون مع موسى عليه السّلام، وقصة القرآن بين الكتب السماوية. ثم أحيل إلى موطن البحث الشامل عند تكرار القصة بأسلوب وهدف آخر. غير أني لن أذكر رواية مأثورة في توضيح القصة إلا بما يتفق مع أحكام الدين، ويتقبلها العلم، ويرتضيها العقل، وأيدت الآيات بالأحاديث الصحيحة المخرجة إلا ما ندر.
ويلاحظ أن أغلب الأحاديث المروية في فضائل سور القرآن موضوعة مكذوبة، وضعها الزّنادقة أو أصحاب الأهواء والمطامع، أو السؤّال الواقفون في الأسواق والمساجد، أو واضعو الحديث حسبة كما زعموا «١».
وفي تقديري أن هذه الخطة تحقق بمشيئة الله نفعا كبيرا، وسيكون هذا التأليف سهل الفهم، سريع المأخذ، محل الثقة والاطمئنان، يرجع إليه كل باحث ومطّلع، في وقت كثر فيه القول والدّعوة إلى الإسلام في المساجد وغيرها، ولكن مع مجافاة الصواب، أو الخلط، أو مجانبة الدقة العلمية، سواء في التفسير أو الحديث أو الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية، وعندها يظلّ الكتاب هو المرجع الأمين وموضع الثقة للعالم والمتعلم، منعا من إضلال الناس والإفتاء بغير علم، وحينئذ يتحقق بحق غرض النّبي صلّى الله عليه وسلم من تبليغ القرآن في
قوله: «بلّغوا عني ولو آية» «٢»
، لأن القرآن هو المعجزة الباقية من بين سائر المعجزات.
ولعلي أكون بهذه الخطة في بيان المراد من آي كتاب الله مفردات وتراكيب، قد حقّقت غايتي من ربط المسلم بقرآنه، وقمت بالتّبليغ الواجب على كلّ مسلم بالرغم من وجود موسوعات أو تفاسير قديمة اعتمدت عليها، وقد تميزت إما بالتركيز على العقائد والنّبوات والأخلاق والمواعظ وتوضيح آيات الله في الكون، كالرّازي في التفسير الكبير، وأبي حيان الأندلسي في البحر المحيط، والألوسي في روح المعاني، والكشاف للزمخشري.
وإما بتوضيح القصص القرآني وأخبار التاريخ، كتفسير الخازن والبغوي، وإما ببيان الأحكام الفقهية بالمعنى الضيّق للمسائل والفروع والقضايا كالقرطبي وابن كثير والجصاص وابن العربي، وإما بالاهتمام باللغويات كالزمخشري
(٢) أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وأبي حيان، وإما بالقراءات كالنسفي وأبي حيان وابن الأنباري، وابن الجزري في كتابه (النشر في القراءات العشر)، وإما بالعلوم والنظريات العلمية الكونية مثل طنطاوي جوهري في كتابه (الجواهر في تفسير القرآن الكريم).
والله أسأل أن ينفعنا بما علّمنا، ويعلّمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علما، كما أسأله أن يعم النّفع كلّ مسلم ومسلمة بهذا الكتاب، وأن يلهمنا جميعا الرّشاد والسّداد، وأن يوفقنا للعمل بكتاب الله في كلّ مناحي الحياة، دستورا وعقيدة ومنهجا وسلوكا، وأن يهدينا إلى سواء الصراط، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور.
وليكن رائدنا جميعا ما أخرجه البخاري ومسلم عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» «١».
الدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي
الأول: (أصول الفقه الإسلامي) في مجلدين، والثاني: (الفقه الإسلامي وأدلته) في مختلف المذاهب- ثمانية مجلدات، وأمضيت في التدريس الجامعي ما يزيد عن ثلاثين عاما، وعملت في الحديث النّبوي تحقيقا وتخريجا وبيانا بالاشتراك لكتاب (تحفة الفقهاء) للسمرقندي، و (المصطفى من أحاديث المصطفى) زهاء (١٤٠٠ حديث). بالإضافة لمؤلفات وبحوث موسوعية تربو عن الثلاثين.
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
أولا- تعريف القرآن وكيفية نزوله وطريقة جمعه:
القرآن المجيد الذي اقتضت حكمة الله ألا يبقى في الوجود أثر ثابت للوحي الإلهي سواه، بعد أن اندثرت أو زالت أو اختلطت الكتب السماوية السابقة بغيرها من العلوم التي وضعها البشر: هو منار الهداية، ودستور التشريع، ومصدر الأنظمة الربانية للحياة، وطريق معرفة الحلال والحرام، وينبوع الحكمة والحق والعدل، ومعين الآداب والأخلاق التي لا بدّ منها لتصحيح مسيرة الناس، وتقويم السلوك الإنساني، قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام ٦/ ٣٨]، وقال عزّ وجلّ أيضا: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل ١٦/ ٨٩].
وقد عرّفه علماء أصول الفقه، لا بسبب الجهل به أو عدم معرفة الناس به، وإنما لضبط ما يتعبد به وما تجوز الصلاة به، وما لا تجوز، ولتبيان أحكام الشرع الإلهي من حلال وحرام، وما يصلح حجة في استنباط الأحكام، وما يكفر جاحده وما لا يكفر، فقالوا عنه:
القرآن:
هو كلام الله المعجز «١»، المنزّل على النّبي محمد صلّى الله عليه وسلم، باللفظ العربي، المكتوب في المصاحف، المتعبّد بتلاوته «٢»، المنقول بالتواتر «٣»، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.
(٢) أي أنه لا تصح الصلاة إلا بتلاوة شيء منه، كما أن مجرد تلاوته عبادة يثاب عليها المسلم.
(٣) التواتر: هو ما ينقله جمع عظيم عن جمع غفير يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب.
وبناء عليه: لا تسمى ترجمة القرآن قرآنا، وإنما هي تفسير، كما لا تسمى القراءة الشاذة (وهي التي لم تنقل بالتواتر وإنما بالآحاد) قرآنا، مثل قراءة ابن مسعود في فيئة الإيلاء «١» :«فإن فاءوا- فيهن- فإن الله غفور رحيم» [البقرة ٢/ ٢٢٦] وقراءته أيضا في نفقة الولد: «وعلى الوارث- ذي الرحم المحرم- مثل ذلك» [البقرة ٢/ ٢٣٣]، وقراءته في كفارة يمين المعسر: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام- متتابعات-» [المائدة ٥/ ٨٩].
أسماء القرآن:
للقرآن أسماء: هي القرآن، والكتاب، والمصحف، والنور، والفرقان «٢».
وسمّي قرآنا، لأنه التنزيل المتلو المقروء، وقال أبو عبيدة: سمّي القرآن، لأنه يجمع السّور، فيضمها. قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[القيامة ٧٥/ ١٧] أي جمعه وقراءته، ومن المعلوم أن القرآن نزل تدريجيا شيئا بعد شيء، فلما جمع بعضه إلى بعض سمّي قرآنا.
وسمّي كتابا من الكتب أي الجمع، لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على نحو مخصوص.
وسمّي مصحفا من أصحف أي جمع فيه الصحف، والصحف جمع الصحيفة:
وهي قطعة من جلد أو ورق يكتب فيه. وروي أن أبا بكر الصديق استشار الناس بعد جمع القرآن في اسمه، فسمّاه مصحفا.
وسمّي نورا، لأنه يكشف الحقائق، ويبين الغوامض من حلال وحرام
(٢) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للعلامة النظام- نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري بهامش تفسير الطبري: ١/ ٢٥، تفسير الرازي: ٢/ ١٤.
وغيبيات لا يستطيع العقل إدراكها، ببيان قاطع وبرهان ساطع، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ، وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء ٤/ ١٧٤].
وسمّي فرقانا لأنه فرّق بين الحقّ والباطل، والإيمان والكفر، والخير والشّر، قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ٢٥/ ١].
كيفية نزول القرآن:
لم ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام، لئلا يثقل كاهل المكلفين بأحكامه، وإنما نزل على قلب النّبي الكريم صلّى الله عليه وسلم بالوحي بواسطة جبريل عليه السّلام، منجّما أي مفرقا على وفق مقتضيات الظروف والحوادث والأحوال، أو جوابا للوقائع والمناسبات أو الأسئلة والاستفسارات.
فمن الأول: قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة ٢/ ٢٢١]، نزلت في شأن مرثد الغنوي الذي أرسله النّبي صلّى الله عليه وسلم إلى مكة، ليحمل منها المستضعفين المسلمين، فأرادت امرأة مشركة اسمها (عناق) وكانت ذات مال وجمال، أن تتزوجه، فقبل بشرط موافقة النّبي صلّى الله عليه وسلم، فلما سأله نزلت الآية، ونزل معها آية وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة ٢/ ٢٢١].
ومن الثاني: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [البقرة ٢/ ٢٢٠]، ووَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة ٢/ ٢٢٢]، ووَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ [النساء ٤/ ١٢٧]، ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الأنفال ٨/ ١].
وقد بدأ نزوله في رمضان في ليلة القدر، قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
[البقرة ٢/ ١٨٥]، وقال سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان ٤٤/ ٣]، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ...
[القدر ٩٨/ ١]. واستمر نزول القرآن في مدى ثلاث وعشرين سنة إما في مكة وإما في المدينة وإما في الطريق بينهما أو في غيره من الأماكن.
وكان نزوله إما سورة كاملة كالفاتحة والمدثر والأنعام، أو عشر آيات مثل قصة الإفك في سورة النور، وأول سورة المؤمنين، أو خمس آيات، وهو كثير، أو بعض آية، مثل: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء ٤/ ٩٥] بعد قوله تعالى:
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء ٤/ ٩٥] ومثل قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، إِنْ شاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة ٩/ ٢٨]، فإنه نزل بعد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة ٩/ ٢٨].
وتعددت حكمة إنزال القرآن منجما، بسبب المنهج الإلهي الذي رسم به طريق الإنزال، كما قال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء ١٧/ ١٠٦].
من هاتيك الحكم: تثبيت قلب النّبي صلّى الله عليه وسلم وتقوية فؤاده ليحفظه ويعيه، لأنه كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان ٢٥/ ٣٢].
ومنها: مراعاة مقتضيات التدرّج في التشريع، وتربية الجماعة، ونقلها على مراحل من حالة إلى حالة أحسن من سابقتها، وإسبال الرحمة الإلهية على العباد، فإنّهم كانوا في الجاهلية في إباحية مطلقة، فلو نزّل عليهم القرآن دفعة واحدة، لعسر عليهم التكليف، فنفروا من التطبيق للأوامر والنواهي.
أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا» «١».
ومنها: ربط نشاط الجماعة بالوحي الإلهي: إذ إن اتصال الوحي بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم يساعده على الصبر والمصابرة، وتحمل المشاق والمصاعب وأنواع الأذى التي كابدها من المشركين، كما أنه وسيلة لتقوية العقيدة في نفوس الذين أسلموا، فإذا نزل الوحي علاجا لمشكلة، تأكد صدق النّبي صلّى الله عليه وسلّم في دعوته، وإذا أحجم النّبي عن جواب مسألة، ثم جاءه الوحي، أيقن المؤمنون بصدق الإيمان واطمأنوا إلى سلامة العقيدة، وأمان الدّرب الذي سلكوه، وزادت ثقتهم بالغايات والوعود المنتظرة التي وعدهم الله بها: إما بالنصر على الأعداء أو المشركين في الدنيا، وإما بالفوز بالجنة والرضا الإلهي، وتعذيب الكفار في نار جهنم.
المكي والمدني من القرآن:
كان للوحي القرآني صبغتان أو لونان جعلت منه نوعين هما: المكي والمدني، وانقسمت بالتالي سور القرآن إلى مكية ومدنية.
أما المكي: فهو ما نزل في مدى ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة- هجرة النّبي صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة- سواء نزل في مكة أو في الطائف أو في أي مكان
ومنها إثارة النشاط والحث على الدرس والتحصيل من القرآن خلافا لو استمر الكتاب جملة واحدة، ومنها اعتزاز الحافظ بطائفة مستقلة من القرآن بعد حفظها، ومنها أن التفصيل بمشاهد عديدة سبب لدعم المعاني، وتأكد المراد واجتذاب الأنظار.
آخر، مثل سورة (ق) و (هود) و (يوسف). وأما المدني: فهو ما نزل في مدى عشر سنوات بعد الهجرة، سواء نزل في المدينة أو في الأسفار والمعارك الحربية أو في مكة عام الفتح، مثل سورة (البقرة) و (آل عمران).
ويغلب على التشريع المكي إصلاح العقيدة والأخلاق، والتنديد بالشرك والوثنية، وإقرار عقيدة التوحيد، وتصفية آثار الجهل من قتل وزنا ووأد بنات، والتأدّب بآداب الإسلام وأخلاقه، مثل العدل، والوفاء بالعهد، والإحسان، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وفعل الخيرات وترك المنكرات، وإعمال العقل والفكر، ونقض أوهام التقليد الأعمى، وتحرير الإنسان، والاعتبار بقصص الأنبياء مع أقوامهم. وقد اقتضى ذلك جعل الآيات المكية قصيرة تزخر بالرهبة والزجر والوعيد، وتبعث على الخشية، وتشعر بمعنى الجلال.
وأما التشريع المدني فيغلب عليه تقرير الأنظمة والأحكام المفصلة للعبادات، والمعاملات المدنية والعقوبات، ومتطلبات الحياة الجديدة في إقامة صرح المجتمع الإسلامي في المدينة، وتنظيم شؤون السياسة والحكم، وترسيخ قاعدتي الشورى والعدل في إصدار الأحكام، وتنظيم العلاقات بين المسلمين وغيرهم في داخل المدينة وخارجها، وقت السلم والحرب، بتشريع الجهاد لوجود مسوغاته من إيذاء وعدوان وتشريد وطرد وتهجير، ثم وضع أنظمة المعاهدات لإقرار الأمن وتوطيد دعائم السلم، وقد اقتضى ذلك كون الآيات المدنية طويلة هادئة، ذات أبعاد وغايات دائمة غير وقتية، تستدعيها عوامل الاستقرار والاطمئنان وبناء الدولة على أمتن الأسس وأقوى الدعائم.
فائدة العلم بأسباب النزول:
إن معرفة أسباب نزول الآيات بحسب الوقائع والمناسبات لها فوائد كثيرة وأهمية بالغة في تفسير القرآن وفهمه على الوجه الصحيح، لأن أسباب النزول
قرائن معبرة توضح غاية الحكم، وتبين سبب التشريع، وتعرف أسراره ومراميه، وتساعد على فهم القرآن فهما دقيقا شاملا، حتى وإن كانت العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. ونرى في عالمنا. القانوني اليوم ما يسمى بالمذكّرات التوضيحية للقوانين والأنظمة والأحكام، يبين فيها أسباب إصدارها، وأهدافها. ويؤكد ذلك أن كل نظام يظل في مستوى الأمور النظرية غير المقنعة كثيرا للناس، ما لم يقترن بالمتطلبات الواقعية، أو يرتبط بالحياة العملية.
وكل ما سبق يشير إلى أن شريعة القرآن ليست فوق مستوى الأحداث، أو أنها سامية مثالية لا تقبل التطبيق، وإنما هي متعاصرة مع كل زمن، متفاعلة مع الواقع، تصف العلاج الحاسم لكل داء عضال من أمراض المجتمع، وشذوذات الأفراد وانحرافاتهم.
أول القرآن وآخره نزولا:
كان أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى من سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق ٩٧/ ١- ٥]، وذلك يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة إحدى وأربعين من ميلاده صلّى الله عليه وسلّم، في غار حراء، حين بدأ الوحي، بواسطة جبريل الأمين عليه السّلام.
وكان آخر ما نزل من القرآن في أرجح الأقوال، قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة ٢/ ٢٨١]، وذلك قبل وفاته صلّى الله عليه وسلّم بتسع ليال بعد ما فرغ من حجّة الوداع، أخرجه كثيرون عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أما ما قيل وروي عن السّديّ: إن آخر ما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً... [المائدة ٥/ ٣]،
فغير مسلّم به، لأنّ هذه الآية نزلت باتفاق العلماء يوم عرفة من حجة الوداع قبل نزول سورة النصر، وآية البقرة السابقة.
جمع القرآن:
لم يكن ترتيب القرآن الكريم في آياته وسوره بالنحو التوقيفي في واقعه الموجود في المصاحف الحالية والغابرة متفقا مع أحوال نزول الوحي به، فقد نزل بحسب الوقائع والمناسبات، إما سورة كاملة أو بعض آيات، أو بعض آية، كما عرفنا، ثم جمع ثلاث مرات.
الجمع الأول في عهد النبوة:
حدث الجمع الأول في عهد النّبي صلّى الله عليه وسلّم بحفظه الثابت الراسخ كالنقش في الحجر في صدره عليه الصلاة والسلام، تحقيقا لوعد الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
[القيامة ٧٥/ ١٦- ١٩]، وقد عرضه النّبي صلّى الله عليه وسلّم مرات على جبريل عليه السّلام، مرة في كل رمضان، وعرضه عليه مرتين في آخر رمضان قبل الوفاة، ثم قرأه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الناس على نحو هذه العرضات، ثم كتبه الصحابة عنه، وكان كتّاب الوحي خمسا وعشرين كاتبا، والتحقيق أنهم كانوا زهاء ستين، وأشهرهم الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام، وخالد بن الوليد، وحفظه أيضا عدد من الصحابة في صدورهم حبّا به، واعتمادا على قوة حافظتهم وذاكرتهم التي اشتهروا بها، حتى إن حروب المرتدين قتل فيها سبعون من القراء، وقد عدّ أبو عبيد في كتاب (القراءات) بعض الحفاظ، فذكر من المهاجرين: الخلفاء الراشدين الأربعة، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن
أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة الأربعة (ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وابن الزبير)، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة.
وذكر من الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذا أبا حليمة، ومجمّع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلّد.
وكان من أشهر الحفاظ: عثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري.
الجمع الثاني في عهد أبي بكر:
لم يجمع القرآن في مصحف واحد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لاحتمال نزول وحي جديد ما دام النّبي صلّى الله عليه وسلّم حيّا، ولكن كانت كل آيات القرآن مكتوبة في الرقاع والعظام والحجارة وجريد النخل. ثم استحّر القتل في القراء في وقعة اليمامة في عهد أبي بكر، كما روى البخاري في فضائل القرآن في الجزء السادس، فارتأى عمر بن الخطاب جمع القرآن، ووافقه أبو بكر، وكلّف زيد بن ثابت بهذه المهمة، وقال أبو بكر لزيد: «إنك شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتتبع القرآن فاجمعه»، ففعل زيد ما أمر به وقال: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف «١»، وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة- أي مكتوبة- مع خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة ٩/ ١٢٨]، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر» «٢».
(٢) صحيح البخاري: ٦/ ٣١٤- ٣١٥.
يتبين من هذا أن طريقة الجمع اعتمدت على أمرين معا: هما المكتوب في الرقاع والعظام ونحوها، وحفظ الصحابة للقرآن في صدورهم. واقتصر الجمع في عهد أبي بكر على أنه جمع القرآن في صحف خاصة، بعد أن كان متفرقا في صحف عديدة، ولم يكتف زيد بحفظه القرآن، وإنما اعتمد أيضا على حفظ غيره من الصحابة وهم العدد الكثير الذي يحصل به التواتر، أي اليقين المستفاد من نقل الجمع الكثير الذي يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب.
الجمع الثالث- في عهد عثمان بنسخ المصاحف على خط واحد:
اقتصر دور عثمان بن عفان رضي الله عنه على كتابة ست نسخ من المصاحف على حرف واحد وطريقة واحدة، ووزعها في الأمصار الإسلامية، فأرسل ثلاثة منها إلى الكوفة ودمشق والبصرة، وأرسل اثنين إلى مكة والبحرين، أو إلى مصر والجزيرة، وأبقى لديه مصحفا بالمدينة. وأمر بإحراق المصاحف الأخرى المخالفة في العراق والشام فقط. وظل المصحف الشامي محفوظا بجامع دمشق (الجامع الأموي) عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد رآه ابن كثير كما ذكر في كتابه (فضائل القرآن) في آخر تفسيره، إلى أن أصابه الحريق الكبير الذي أصاب المسجد الأموي سنة ١٣١٠ هـ، ورآه قبل الحريق كبار علماء دمشق المعاصرين.
وسبب هذا الجمع يظهر فيما رواه لنا البخاري في فضائل القرآن في الجزء السادس عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان:
يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة:
إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم.
ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرّق «١».
وأصبح المصحف العثماني أساسا في نشر وطبع المصاحف المتداولة الآن في العالم، فبعد أن كان الناس يقرءون بقراءات مختلفة، إلى وقت عثمان، جمع عثمان الناس على مصحف واحد، وحرف واحد، وجعله إماما، ولهذا نسب إليه، ولقّب بأنه جامع القرآن.
والخلاصة: إن جمع القرآن في عهد أبي بكر كان جمعا له في نسخة واحدة موثوقة، وجمع القرآن في عهد عثمان كان نسخا من صحف حفصة، لمصاحف ستة بحرف واحد. وكان هذا الحرف ملائما للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
وأصبح لقراءة رسم المصحف طريقان: موافقة للرسم المكتوب حقيقة، وموافقة للرسم احتمالا أو تقديرا.
ولا خلاف بين العلماء في أن ترتيب آيات السور توقيفي منقول ثابت عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم، كما أن ترتيب السور أيضا توقيفي على الراجح. أما دليل ترتيب
الآيات
فقول عثمان بن العاص رضي الله عنه: «كنت جالسا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ شخص ببصره ثم صوّبه، ثم قال: «أتاني جبريل، فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل ١٦/ ٩٠] ».
وأما دليل ترتيب السور فهو حضور بعض الصحابة كابن مسعود ممن حفظوا القرآن عن ظهر قلب، مدارسة القرآن بين جبريل عليه السّلام والنّبي صلّى الله عليه وسلّم، وشهدوا بأنها كانت على وفق هذا الترتيب المعهود في السور وفي الآيات.
وأركان قرآنية الآية أو الكلمة أو القراءة المقبولة ثلاثة: الموافقة للرسم العثماني ولو احتمالا، التوافق مع قواعد النحو العربي ولو بوجه، النقل المتواتر بواسطة جمع عن جمع عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما يعرف بصحة السند.
ثانيا- طريقة كتابة القرآن والرسم العثماني:
الرسم: طريقة كتابة الكلمة بحروف هجائها بتقدير الابتداء بها، والوقوف عليها.
والمصحف: هو المصحف العثماني الإمام الذي أمر بكتابته سيدنا عثمان رضي الله عنه، والذي أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم «١».
والرسم العثماني: هو الطريقة التي كتبت بها المصاحف الستة في عهد عثمان رضي الله عنه. وهو الرسم المتداول المعمول به بعد البدء بطباعة القرآن في البندقية سنة ١٥٣٠ م، وما تلاها من طبعة إسلامية خالصة للقرآن في سانت بترسبوغ، في روسيا، سنة ١٧٨٧ م، ثم في الآستانة سنة ١٨٧٧ م.
وللعلماء رأيان في طريقة كتابة القرآن أو الإملاء «١» :
١- رأي جمهور العلماء ومنهم الإمامان مالك وأحمد: أنه يجب كتابة القرآن كما وردت برسمها العثماني في المصحف الإمام، ويحرم مخالفة خط عثمان في جميع أشكاله في كتابة المصاحف، لأن هذا الرسم يدلّ على القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة.
٢- رأي بعض العلماء (وهم أبو بكر الباقلاني وعز الدين بن عبد السلام وابن خالدون) : أنه تجوز كتابة المصاحف بالطرق أو الرسوم الإملائية المعروفة للناس، لأنّه لم يرد نص في الرسم، وإن ما في الرسم من زيادات أو حذوف لم يكن توقيفا أوحى الله به على رسوله، ولو كان كذلك لآمنا به وحرصنا عليه، وإذا كتب المصحف بالإملاء الحديث أمكن قراءته صحيحا وحفظه صحيحا.
وقد رأت لجنة الفتوى بالأزهر وغيرها من علماء العصر «٢» الوقوف عند المأثور من كتابة المصحف، احتياطا لبقاء القرآن على أصله لفظا وكتابة، وحفاظا على طريقة كتابته في العصور الإسلامية السابقة، دون أن ينقل عن أحد من أئمة الاجتهاد تغيير هجاء المصحف عما رسم به أولا، ولمعرفة القراءة المقبولة والمردودة، فلا يفتح فيه باب الاستحسان الذي يعرض القرآن للتغيير والتحريف، أو للتلاعب به، أو البعث بآياته من ناحية الكتابة. لكن لا مانع في رأي جماهير العلماء من كتابة القرآن بطرق الإملاء الحديثة في مجال الدرس والتعليم، أو عند الاستشهاد بآية أو أكثر في بعض المؤلفات الحديثة، أو في كتب وزارة التربية والتعليم، أو أثناء عرضه على شاشة التلفاز.
(٢) مجلة الرسالة: العدد ٢١٦، سنة ١٩٣٧، ومجلة المقتطف تموز سنة ١٩٣٣
ثالثا- الأحرف السبعة والقراءات السبع:
روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه» «١»
أي سبعة أوجه، وهو سبع لغات ولهجات من لغات العرب ولهجاتهم، يجوز أن يقرأ بكل لغة منها، وليس المراد: أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه وإنما لا يخرج عنها، فإما أن تكون بلغة قريش، وهو الغالب، وإما أن تكون بلغة قبيلة أخرى، لأنها أفصح، وتلك اللغات التي كانت مشهورة شائعة عذبة اللفظ هي: لغة قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. وهذا هو الأشهر والراجح.
وفي رأي آخر: المراد بالسبعة: أوجه القراءات القرآنية، فاللفظ القرآني الواحد مهما يتعدد أداؤه وتتنوع قراءته لا يخرج التغاير فيه عن الوجوه السبعة الآتية وهي «٢» :
١- الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، أو يغير معناها، مثل (فتلقى آدم) قرئ (آدم).
٢- الاختلاف في الحروف، إما بتغير المعنى مثل (يعلمون وتعلمون)، وإما بتغير الصورة دون المعنى مثل (الصراط) و (السراط).
٣- اختلاف أوزان الأسماء في إفرادها وتثنيتها وجمعها وتذكيرها وتأنيثها، مثل (أماناتهم) و (أمانتهم).
(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٤٢- ٤٧، تفسير الطبري: ١/ ٢٣ وما بعدها، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: ص ٢٨ وما بعدها، تاريخ الفقه الإسلامي للسايس: ص ٢٠ وما بعدها، مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي صالح: ص ١٠١- ١١٦
٤- الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة يغلب أن تكون إحداهما مرادفة للأخرى مثل (كالعهن المنفوش) أو (كالصوف المنفوش) وقد يكون بإبدال حرف بآخر مثل (ننشزها) و (ننشرها).
٥- الاختلاف بالتقديم والتأخير، مثل (فيقتلون ويقتلون) قرئ (فيقتلون ويقتلون).
٦- الاختلاف بالزيادة والنقص، مثل (وما خلق الذكر والأنثى) قرئ (والذكر والأنثى).
٧- اختلاف اللهجات في الفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والهمز والتسهيل، وكسر حروف المضارعة، وقلب بعض الحروف، وإشباع ميم الذكور، وإشمام بعض الحركات، مثل (وهل أتاك حديث موسى) و (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) قرئ بإمالة: (أتى)، (وموسى)، (وبلى) وقوله تعالى: (خبيرا بصيرا) بترقيق الراءين، و (الصلاة) و (الطلاق) بتفخيم اللامين. وقوله تعالى: (قد أفلح) بترك الهمزة ونقل حركتها من أول الكلمة الثانية إلى آخر الكلمة الأولى، وهو ما يسمى (تسهيل الهمزة). وقوله تعالى: (لقوم يعلمون، نحن نعلم، وتسود وجوه، ألم أعهد) بكسر حروف المضارعة في جميع هذه الأفعال. وقوله تعالى: (حتى حين) قرأه الهذليون (عتى عين) بقلب الحاء عينا. وقوله تعالى: (عليهم دائرة السّوء) بإشباع ميم جمع الذكور. وقوله تعالى: (وغيض الماء) بإشباع ضمة الغين مع الكسر.
والخلاصة: إن الأحرف السبعة: هي اللغات السبع التي اشتملت عليها لغة مضر في القبائل العربية، وليست هي القراءات السبع أو العشر المتواترة المشهورة، فهذه القراءات التي انتشرت كثيرا في عصر التابعين ثم اشتهرت في القرن الرابع بعد ظهور كتاب في القراءات للإمام المقرئ ابن مجاهد، تعتمد على غير
الأصل الذي يتعلق بالأحرف السبعة، وتتفرع من حرف واحد من الأحرف السبعة، كما أبان القرطبي.
ثم إن الكلام على الأحرف السبعة أصبح تاريخيا، فقد كانت تلك الأحرف السبعة توسعة في النطق بها على الناس في وقت خاص للضرورة، لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم، ثم زال حكم تلك الضرورة، وارتفع حكم تلك الأحرف السبعة، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد، ولم يكتب القرآن إلا بحرف واحد منذ عهد عثمان، مما قد تختلف فيه كتابة الحروف، وهو حرف قريش الذي نزل به القرآن، كما أوضح الطحاوي وابن عبد البر وابن حجر وغيرهم «١».
رابعا- القرآن كلام الله وأدلة الإثبات بوجوه الإعجاز:
إن القرآن العظيم المسموع والمكتوب: هو كلام الله القديم العزيز العليم، ليس شيء منه كلاما لغيره من المخلوقين، لا جبريل، ولا محمّد ولا غيرهما، والناس يقرءونه بأصواتهم «٢». قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء ٢٦/ ١٩٢- ١٩٥] وقال عز وجل: قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ، لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَهُدىً، وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل ١٦/ ١٠٢].
والدليل على أن القرآن كلام الله: هو عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وهذا هو المراد بإعجاز القرآن: أي عجز البشر عن الإتيان بمثله، في بلاغته، أو تشريعه أو مغيباته. قال الله تعالى مستثيرا العرب المعروفين بأنهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ومتحديا لهم بأن يأتوا
(٢) فتاوى ابن تيمية: ١٢/ ١١٧- ١٦١، ١٧٢
بمثل القرآن في نظمه ومعانيه وبيانه المشرق البديع الفريد ولو بمثل سورة منه:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَلَنْ تَفْعَلُوا، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة ٢/ ٢٣- ٢٤].
وتتكرر آي القرآن في مناسبات مختلفة مطالبة بمجاراة القرآن وتحدي العرب الذين عارضوا الدعوة الإسلامية، ولم يؤمنوا بالقرآن، ولم يقرّوا بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلم، فقال تعالى: قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً أي معينا [الإسراء ١٧/ ٨٨]. وإذ عجزوا عن الإتيان بالمثيل، فليأتوا بعشر سور مثله، فقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ، وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود ١١/ ١٣- ١٤].
ثم أكد الحق سبحانه التحدي أو المعارضة بمثل سورة من القرآن بعد العجز عن المثل الكامل أو عن عشر سور منه، فقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس ١٠/ ٣٨].
قال الطبري «١» : إن الله تعالى ذكره جمع لنبينا محمد صلّى الله عليه وسلم ولأمته، بما أنزل إليه من كتابه معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله، ولا لأمة من الأمم قبلهم، وذلك أن كل كتاب أنزله جلّ ذكره على نبي من أنبيائه قبله، فإنما أنزله ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلّى الله عليه وسلم، كالتوراة
التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تمحيد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير، لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق.
والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد صلّى الله عليه وسلم يحوي معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرا من المعاني التي سائر الكتب، غيره منها خال. ومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب: نظمه العجيب، ووصفه الغريب، وتأليفه البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلّت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت قصورا عن أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء، فلم يجدوا له إلا التسليم والإقرار بأنه من عند الله الواحد القهار، مع ما يحوي مع ذلك من المعاني التي هي ترغيب وترهيب، وأمر وزجر، وقصص وجدل ومثل، وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.
ومظاهر الإعجاز أو أوجه الإعجاز كثيرة:
منها ما يخص العرب في روعة بيانه وبلاغة أسلوبه وجزالة ألفاظه أو نظمه، سواء في اختيار الكلمة القرآنية أو الجملة والتركيب ونظم الكلام، ومنها ما يشمل العرب وغيرهم من عقلاء الناس بالإخبار عن المغيبات في المستقبل، وعن الماضي البعيد من عهد آدم عليه السّلام إلى مبعث محمد صلّى الله عليه وسلم، وبالتشريع المحكم الشامل لكل شؤون الحياة العامة والخاصة. وأكتفي هنا بإيجاز مظاهر الإعجاز وهي عشرة كما ذكر القرطبي «١» :
أ- النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيره، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء.
٢- الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.
٣- الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وقوله سبحانه: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى آخر سورة الزمر، وكذلك قوله سبحانه: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إلى آخر سورة [إبراهيم ١٤/ ٤٢].
٤- التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
٥- الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله على قلب النّبي الأمي صلّى الله عليه وسلم، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين، فجاءهم النبي صلّى الله عليه وسلم- وهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم، بما عرفوا من الكتب السالفة، فتحققوا صدقه.
٦- الوفاء بالوعد، المدرك بالحس في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله عليه السّلام، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه. وإلى وعد مقيد بشرطه، كقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق ٦٥/ ٣] ووَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن ٦٤/ ١١] ووَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق ٦٥/ ٢] وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال ٨/ ٦٥] وشبه ذلك.
٧- الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، ولا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه، من ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
[التوبة ٩/ ٣٣]، ففعل ذلك. ومنه قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ الْمِهادُ [آل عمران ٣/ ١٢]. ومنه قوله تعالى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح ٤٨/ ٢٧]. ومنه قوله تعالى: الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ، سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ
[الروم ٣٠/ ١- ٣].
فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، وقد عجز الزمان عن إبطال شيء منها، سواء في الخلق والإيجاد أم في بيان أخبار الأمم، أم في وضع التشريع السوي لكل الأمم، أم في توضيح كثير من المسائل العلمية والتاريخية، مثل وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر ١٥/ ٢٢] وآية أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً [الأنبياء ٢١/ ٣٠]، وآية وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات ٥١/ ٤٩] وآية وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ [الحجر ١٥/ ١٩] وآية إثبات كروية الأرض: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر ٣٩/ ٥] والتكوير: اللف على الجسم المستدير. واختلاف مطالع الشمس في آية وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها إلى قوله وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس ٣٦/ ٣٨- ٤٠].
٨- ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام، في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام، فهو يشتمل على العلوم الإلهية، وأصول العقائد الدينية وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل والآداب، وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي الموافقة لكل زمان ومكان.
٩- الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي.
١٠- التناسب في جميع ما تضمنه القرآن ظاهرا وباطنا، من غير اختلاف،
قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء ٤/ ٨٢].
يظهر من بيان هذه الأوجه في إعجاز القرآن أنها تشمل الأسلوب والمعنى.
أما خصائص الأسلوب فهي أربعة:
الأولى- النسق البديع والنظم الغريب، والوزن العجيب المتميز عن جميع كلام العرب، شعرا ونثرا وخطابة.
الثانية- السمو المتناهي في جمال اللفظ، ورقة الصياغة، وروعة التعبير.
الثالثة- التآلف الصوتي في نظم الحروف ورصفها، وترتيبها، وصياغتها، وإيحاءاتها، بحيث تصلح خطابا لكل الناس على اختلاف المستويات الفكرية والثقافية، مع تسهيل سبيلها وحفظها لمن أراد، قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر ٥٤/ ١٧].
الرابعة- تناسب اللفظ والمعنى، وجزالة اللفظ وإيفاء المعنى، ومناسبة التعبير للمقصود، والإيجاز والقصد دون أي تزيّد، وترسيخ المعاني بصور فنية محسوسة تكاد تلمسها، وتتفاعل معها، بالرغم من تكرارها بصورة جذابة فريدة.
وأما خصائص المعنى فهي أربعة أيضا:
الأولى- التوافق مع العقل والمنطق والعلم والعاطفة.
الثانية- قوة الإقناع، واجتذاب النفس، وتحقيق الغاية بنحو حاسم قاطع.
الثالثة- المصداقية والتطابق مع أحداث التاريخ، والواقع المشاهد، وسلامته على طوله من التعارض والتناقض والاختلاف، خلافا لجميع كلام البشر.
الرابعة- انطباق المعاني القرآنية على مكتشفات العلوم والنظريات الثابتة.
ويجمع هذه الخصائص آيات ثلاث في وصف القرآن، وهي قوله تعالى: الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود ١١/ ١] وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت ٤١/ ٤١- ٤٢] وقوله عز وجل: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر ٥٩/ ٢١].
وسيظل القرآن الكريم ناطقا بالمعجزات في كل عصر، فهو- كما قال الرافعي «١» - كتاب كل عصر، وله في كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز، وهو معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني، ومعجز كذلك في حقائقه، وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء، فهي باقية ما بقيت.
خامسا- عربية القرآن وترجمته إلى اللغات الأخرى:
| القرآن كله عربي «٢»، نزل بلسان العرب، وما من لفظ فيه إلا وهو عربي أصلا، أو معرّب خاضع لموازين اللغة العربية وقوالبها ومقاييسها | وقد زعم بعض الناس أن القرآن ليس عربيا خالصا، لاشتماله على بعض كلمات من أصل أعجمي (غير عربي)، مثل (سندس) و (إستبرق) وأنكر بعض العرب ألفاظ (قسورة) و (كبّارا)، و (عجاب) |
(٢) تفسير الطبري: ١/ ٢٥
مرات، فقال الشيخ: أتهز أبي، يا ابن (قسورة)، وأنا رجل (كبارا)، إن هذا الشيء (عجاب) ! فسألوه، هل هذا في اللغة العربية؟ فقال: نعم.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله أول من رد بكلامه الفصيح، وحجته القوية على هذا الزعم، مبينا أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، مفندا حجج هؤلاء الزاعمين وأهمها ثنتان:
الأولى- أن في القرآن خاصا يجهل بعضه بعض العرب.
والثانية- أن في القرآن ما ينطق به غير العرب.
ورد على الحجة الأولى: بأن جهل بعض العرب ببعض القرآن ليس دليلا على عجمة بعض القرآن، بل هو دليل على جهل هؤلاء ببعض لغتهم، فليس لأحد أن يدعي الإحاطة بكل ألفاظ اللسان العربي، لأنه أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها لفظا، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي.
ثم رد على الحجة الثانية: بأن بعض الأعاجم قد تعلم بعض الألفاظ العربية، وسرت إلى لغاتهم، ويحتمل أن يوافق لسان العجم أو بعض الألسنة قليلا من لسان العرب، وقد يكون بعض الألفاظ العربية من أصل أعجمي، لكن هذا القليل النادر من أصل غير عربي قد سرى قديما إلى العرب، فعرّبوه، وأنزلوه على طبيعة لغتهم، وجعلوه صادرا من لسانهم، بحسب حروفهم ومخارج تلك الحروف وصفاتها في لغة العرب، وذلك مثل الألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها، وإن كانت في الأصل تقليدا في تغمتها للغات الأخرى «١».
وتضافرت الآيات القرآنية بالتصريح بأن القرآن كله عربي، جملة
وتفصيلا، وأنه نزل بلسان العرب قوم النّبي صلّى الله عليه وسلم، منها قوله تعالى: الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف ١٢/ ١- ٢] ومنها قوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء ٢٦/ ١٩٢- ١٩٥] ومنها: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا [الرعد ١٣/ ٣٧] ومنها: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا، لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الشورى ٤٢/ ٧] ومنها: حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف ٤٣/ ١- ٣] ومنها: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر ٣٩/ ٢٨].
ورتب الشافعي على عربية القرآن حكما مهما جدا، فقال: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد، وغير ذلك.
وكان من مزية عربية القرآن وفضله على العرب أمران عظيمان هما:
الأول- إن تعلم القرآن والنطق به على أصوله يقوّم اللسان، ويفصّح المنطق، ويصحح الكلام، ويساعد على فهم لغة العرب، فليس هناك شيء يشبه القرآن في تقويم الألسنة، حين تتأثر باللهجات العامية المختلفة.
الثاني- كان للقرآن الفضل الأكبر في الحفاظ على اللغة العربية، في مسيرة القرون الأربعة عشر الغابرة، بما اشتملت عليه من فترات ضعف وتخلف وتسلط المستعمرين الأوربيين على بلاد العرب، بل إن القرآن عامل أساسي في توحيد العرب، وباعث قوي ساعد في انتفاضة العرب ضد المحتل الغاصب والمستعمر البغيض، مما أعاد الصحوة الإسلامية إلى أوطان العرب والإسلام، وربط بين
المسلمين برباط الإيمان والعاطفة القوية الصادقة، لا سيما في أوقات المحنة والحروب ضد المحتلين.
ترجمة القرآن:
يحرم ولا يصح شرعا ترجمة نظم القرآن الكريم، لأن ذلك متعذر غير ممكن، بسبب اختلاف طبيعة اللغة العربية التي نزل بها القرآن عن سائر اللغات الأخرى، ففي العربية المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه والصور الفنية التي لا يمكن صبها بألفاظها في قوالب لغة أخرى، ولو حدث ذلك لفسد المعنى، واختل التركيب، وحدثت العجائب في فهم المعاني والأحكام، وذهبت قدسية القرآن، وزالت عظمته وروعته، وتبددت بلاغته وفصاحته التي هي سبب إعجازه.
لكن يجوز شرعا ترجمه معاني القرآن أو تفسيره، على أنه ليس هو القرآن، فلا تعد ترجمة القرآن قرآنا، مهما كانت الترجمة دقيقة، ولا يصح الاعتماد عليها في استنباط الأحكام الشرعية، لأن فهم المراد من الآيات يحتمل الخطأ، وترجمتها إلى لغة أخرى يحتمل الخطأ أيضا، ولا يصح الاعتماد على الترجمة مع وجود هذين الاحتمالين «١».
ولا تصح الصلاة بالترجمة «٢»، ولا يتعبد بتلاوتها، لأن القرآن اسم للنظم والمعنى، والنظم: هو عبارات القرآن في المصاحف. والمعنى: هو ما تدل عليه العبارات، ولا تعرف أحكام الشرع الثابتة بالقرآن إلا بمعرفة النظم والمعنى.
(٢) تفسير الرازي: ١/ ٢٠٩
سادسا- الحروف التي في أوائل السور- الحروف المقطعة:
بدأ الحق سبحانه وتعالى بعض السور المكية أو المدنية القرآنية ببعض حروف التهجي أو الحروف المقطعة، منها البسيط المؤلف من حرف واحد، وذلك في سور ثلاث: صاد وقاف والقلم، إذ افتتحت الأولى بحرف: أَحْرَصَ والثانية بحرف: بَرْقٌ، والثالثة بحرف: ن.
ومنها فواتح عشر سور مؤلفة من حرفين، سبع منها متماثلة تسمى:
الحواميم، لابتدائها بحرفي: لَحْمَ، وهي سور: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، وتتمة العشر: هي سور: طه، وطس، ويس.
ومنها فواتح ثلاث عشرة سورة مركبة من ثلاثة أحرف، ست منها بدئت بالم وهي سور: البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وخمس منها بلفظ الر: وهي سور: يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر. واثنتان منها بدئت بطسم، وهما سورتا الشعراء والقصص.
ومنها سورتان افتتحتا بأربعة أحرف، وهما سورة الأعراف وفاتحتها المص وسورة الرعد وفاتحتها المر.
ومنها سورة واحدة افتتحت بخمسة حروف هي سورة مريم ومستهلها:
كهيعص. فصارت مجموعة الفواتح القرآنية تسعا وعشرين، وهي على ثلاثة عشر شكلا، وحروفها أربعة عشر، وهي نصف الحروف الهجائية «١» وقد اختلف أهل التأويل المفسرون في بيان المقصود من فواتح السور «٢»،
(٢) تفسير القرطبي: ١/ ١٥٤ وما بعدها. [.....]
فقال جماعة: هي سرّ الله في القرآن، ولله في كل كتاب سر، وهي مما استأثر الله بعلمه، فهو من المتشابه الذي نؤمن به، على أنه من عند الله، دون تأويل ولا تعليل، لكنه أمر مفهوم عند النّبي صلّى الله عليه وسلم.
وقال جماعة: لا بد أن يكون لذكره معنى وجيه، والظاهر أنه إيماء إلى إقامة الحجة على العرب وتثبيته في أسماعهم وآذانهم، بعد أن تحداهم القرآن على أن يأتوا بمثله، علما بأن القرآن مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم.
فكأنه يقول لهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه؟ مع أنه كلام عربي، مكون من حروف هجائية، ينطق بها كل عربي: أمي أو متعلم، وهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ويعتمدون على هذه الحروف في الكلام: نثره وشعره وخطابته وكتابته، وهم يكتبون بهذه الحروف، ومع هذا فقد عجزوا عن مجاراة القرآن الذي نزل على محمد صلّى الله عليه وسلم، فقامت الحجة عليهم أنه كلام الله، لا كلام بشر، فيجب الإيمان به، وتكون الفواتح الهجائية تقريعا لهم وإثباتا لعجزهم أن يأتوا بمثله.
لكنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن، كانوا مكابرين معاندين في عدم الإيمان به، وقالوا ببلاهة وسخف، وسطحية وسذاجة عن محمد والقرآن: محمد ساحر، شاعر، مجنون، والقرآن: أساطير الأولين. وذلك كله آية الإفلاس، ومظهر الضعف، وفقد الحجة، وكذب المعارضة والممانعة، وكفر المقلّدة، والعكوف على التقاليد العتيقة البالية، والعقائد الوثنية الموروثة الخرقاء.
والرأي الثاني هو رأي جماهير المفسرين والمحققين من العلماء، وهو المعقول المقتضي فتح الأسماع، واستماع القرآن، والإقرار بأنه كلام الله تعالى.
سابعا- التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية في القرآن:
إن القرآن الكريم الذي نزل بلسان العرب، لم يخرج عن طبيعة اللغة العربية
في استعمال اللفظ بطريق الحقيقة تارة (وهي استعمال اللفظ فيما وضع له من المعنى في اصطلاح التخاطب) واستعماله بطريق المجاز (استعمال الكلمة في معنى آخر غير ما وضعت له، لعلاقة بين المعنى الأصلي للكلمة، والمعنى الآخر الذي استعملت فيه)، واستخدام التشبيه (وهو أن شيئا أو أشياء شاركت غيرها في صفة أو أكثر بأداة هي الكاف ونحوها، ملفوظة أو ملحوظة) والاعتماد على الاستعارة (وهي تشبيه بليغ حذف أحد طرفيه، وعلاقته دائما المشابهة) «١».
أما التشبيه:
فكثير في القرآن، سواء أكان بحسب وجه الشبه مفردا أم مركبا، فمن التشبيه المفرد أو غير التمثيل (وهو ما لا يكون وجه الشبه فيه منتزعا من متعدد، بل من مفرد، مثل زيد أسد، انتزع وجه الشبه من مفرد، وهو أن زيدا أشبه الأسد من جهة الشجاعة) : قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران ٣/ ٥٩].
ومن التشبيه المركب أو تشبيه التمثيل (وهو ما كان وجه الشبه منتزعا فيه من متعدد، أو هو كما قال السيوطي في الإتقان: أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض) قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة ٦٢/ ٥] فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه. وقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ، حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها، وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً، فَجَعَلْناها حَصِيداً، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس ١٠/ ٢٤] فيه عشر جمل، وقع التركيب من مجموعها، بحيث لو سقط منها شيء، اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة
تقضيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه الأرض، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، وظنوا أنها مسلمة من الجوائح، أتاها بأس الله فجأة، فكأنّها لم تكن بالأمس.
وأما الاستعارة
التي هي من المجاز اللغوي أي في الكلمة الواحدة لا كالمجاز العقلي فكثيرة أيضا «١»، مثل قوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [التكوير ٨١/ ١٨]. أستعير خروج النفس شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند ظهور الفجر قليلا، ومثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً... [النساء ٤/ ١٠] شبه مال الأيتام بالنار، بجامع أن أكله يؤذي، كما تؤذي النار. ومثل قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم ١٤/ ١] أي لتخرج الناس من جهالاتهم وضلالاتهم إلى الدين القيم والعقيدة الحقة والعلم والأخلاق، شبه الجهالة والضلالة والعداوة بالظلام، في أن الإنسان لا يهتدي إلى الطريق الواضح في كل منهما، وشبه الدين القيم بالنور في أن الإنسان يهتدي إلى الطريق الواضح في كل منهما.
وأما المجاز:
فأنكر جماعة من العلماء وجوده في القرآن (منهم الظاهرية، وبعض الشافعية كأبي حامد الاسفراييني وابن القاصّ، وبعض المالكية كابن خويز منداد البصري، وابن تيمية) وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله، فالجدار لا يريد في قوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف ١٨/ ٧٧].
والقرية لا تسأل في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف ١٢/ ٨٢] «٢».
(٢) المرجع السابق: ص ٩٩
لكن الذين تذوقوا جمال الأسلوب القرآني، يرون أن هذه الشبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن، مثل قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء ١٧/ ٢٩] دلت القرينة على أن المعنى الحقيقي غير مراد، وأن الآية تنهى عن كل من التبذير والبخل.
والكناية:
«وهي لفظ أريد به لازم معناه» كثيرة أيضا في القرآن، لأنها من أبلغ الأساليب في الرمز والإيمان، فالله تعالى رمز إلى الغاية من المعاشرة الزوجية، وهي التناسل، بلفظ (الحرث) في قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة ٢/ ٢٢٣]، ووصف الله العلاقة بين الزوجين، بما فيها من مخالطة وملابسة، بأنها لباس من كل منهما للآخر، في قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة ٢/ ١٨٧] ورمز إلى الجماع بقوله سبحانه:
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء ٤/ ٤٣] وقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة ٢/ ١٨٧]. وكنى عن عفة النفس وطهارة الذيل بقوله تعالى:
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر ٧٤/ ٤].
والتعريض:
«وهو أن تذكر اللفظ وتستعمله في معناه، وتلوّح به إلى ما ليس من معناه، لا حقيقة ولا مجازا» مستعمل أيضا في القرآن، مثاله:
وَقالُوا: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [التوبة ٩/ ٨١] ليس المراد به ظاهر الكلام وهو ازدياد حر جهنم، وكونه أشد من حر الدنيا، ولكن الغرض الحقيقي هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال، المعتذرين بشدة الحر، بأنهم سيردون جهنم، ويجدون حرها الذي لا يوصف. ومنه قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء ٢١/ ٦٣] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة، لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم، من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزا.
فوائد:
القرآن ثلاثون جزءا ٣٠ عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة ١١٤ عدد آي القرآن ٦٢٣٦ على طريقة الكوفيين.
الأمر ١٠٠٠ النهي ١٠٠٠ الوعد ١٠٠٠ الوعيد ١٠٠٠ القصص والأخبار ١٠٠٠ العبر والأمثال ١٠٠٠ الحرام والحلال ٥٠٠ الدعاء ١٠٠ الناسخ والمنسوخ ٦٦
الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
١- معناها:
أستجير بجناب الله وأعتصم به من شر الشيطان الملعون المذموم أن يغويني ويضلني أو يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به أو يحضني على ما نهيت عنه، فإنه لا يكفه ويمنعه إلا رب العالمين. والشيطان:
واحد الشياطين، وسمي بذلك لبعده عن الحق وتمرده. والرجيم: أي المبعد من الخير، المهان، المرمي باللعن والسب.
٢- أمر الله سبحانه بالاستعاذة
عند أول كل تلاوة للقرآن، بقوله تعالى:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل ١٦/ ٩٨] أي إذا أردت أن تقرأ، فتعوذ، وقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون ٢٣/ ٩٦- ٩٨] وهذا يوحي إلى أن القرآن جعل دفع السيئة بالحسنة علاجا لشيطان الإنس، والاستعاذة علاجا لشيطان الجن.
وتطبيقا لهذا الأمر في السنة
ورد عن أبي سعيد الخدري عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم «أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه» «١»
وقال ابن المنذر: «جاء عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه ابن مسعود- أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
وهذا اللفظ هو الذي عليه جمهور العلماء في التعوذ: لأنه لفظ كتاب الله.
٣-
الاستعاذة مندوبة في رأي جمهور العلماء في كل قراءة في غير الصلاة.
أما في الصلاة، فقال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، إلا في قيام رمضان،
لحديث أنس: «أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» «١»
وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط.
ورأي الشافعية والحنابلة: أنه يسن التعوذ سرا في أول كل ركعة قبل القراءة.
٤-
أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن، ولا آية منه.
البسملة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
١- معناها:
أبدأ بتسمية الله وذكره وتسبيحه قبل كل شيء، مستعينا به في جميع أموري، فإنه الرب المعبود بحق، واسع الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء، المنعم بجلائل النعم ودقائقها، المتفضل بدوام الفضل والرحمة والإحسان.
٢- حكمتها:
ابتدأ الله تعالى بالبسملة سورة الفاتحة وكل سور القرآن، ما عدا سورة التوبة، تنبيها على أن ما في كل سورة حق، ووعد صادق للعباد، فهو سبحانه يفي لهم بجميع ما تضمنت السورة من وعد ولطف وبر، وإرشادا إلى استحباب البدء بالبسملة في كل الأعمال، التماسا لمعونة الله وتوفيقه، ومخالفة لغير المؤمنين الذين يستفتحون أعمالهم بأسماء آلهتهم أو زعمائهم.
قال بعض العلماء: إن «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات «١».
٣- هل هي آية من السورة؟
اختلف العلماء في البسملة، أهي آية من الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
فقال المالكية والحنفية: ليست البسملة بآية من الفاتحة ولا غيرها، إلا من سورة النمل في أثنائها،
لحديث أنس رضي الله عنه قال: «صليت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحدا منهم،
حديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع» فهو ضعيف، رواه عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة.
يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «١»
أي أن أهل المدينة كانوا لا يقرءون البسملة في صلاتهم في مسجد المدينة، إلا أن الحنفية قالوا: يقرأ المنفرد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مع الفاتحة، في كل ركعة سرا، فهي قرآن، لكنها ليست بعض السورة، وإنما هي للفصل بين السور. وقال المالكية: لا يقرؤها في الصلاة المكتوبة، جهرا كانت أو سرا، لا في الفاتحة، ولا في غيرها من السور، ويجوز قراءتها في النافلة. وقال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه «٢»، لكن هذا غير ظاهر، لأنه ليس بلازم تواتر كل آية.
وقال عبد الله بن المبارك: إنها آية من كل سورة،
لما رواه مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت علي آنفا سورة» فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر ١٠٩/ ١- ٣-].
وقال الشافعية والحنابلة: البسملة آية من الفاتحة، يجب قراءتها في الصلاة، إلا أن الحنابلة قالوا كالحنفية: يقرأ بها سرا، ولا يجهر بها. وقال الشافعية: يسرّ بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية، كما يجهر في سائر الفاتحة.
ودليلهم على كونها آية في الفاتحة:
ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قرأتم: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فاقرؤوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحد آياتها»
وإسناده صحيح.
(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٩٣
ودليل الجهر بها لدى الشافعية:
ما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم جهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «١»
ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ، فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة.
وتردد قول الشافعي في كون البسملة آية في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها، والأصح أنها آية من كل سورة كالفاتحة، بدليل اتفاق الصحابة على كتبها في أوائل كل سورة، ما عدا سورة براءة، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصاحف ما ليس من القرآن. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي السابق، اتفقت الأمة على أن البسملة آية في سورة النمل، وعلى جواز كتب البسملة في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فمنعه الشعبي والزهري، وأجازه سعيد بن جبير وأكثر المتأخرين «٢».
فضل البسملة:
قال علي كرم الله وجهه في قوله «بسم الله» : إنه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما «الرحمن» فهو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا.
ملاحظة: أثبتّ النص القرآني برسم المصحف العثماني، فمثلا: «وأولوا» و «يتلوا» فيهما ألف، و «الصلوة» و «يريكم» هكذا، أما في الإملاء الحديثة فلا تكتب الألف في الكلمتين، وتكتب «الصلاة» و «يراكم» اليوم هكذا، وأما في شرحي أو تفسيري فأتقيد بالقواعد الجديدة.
كذلك لا أعرب بعض الكلمات المعروفة، مثل أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ [المرسلات ١٧- ١٨] لم أعرب «نتبعهم» التي هي فعل مضارع مرفوع، لأنه كلام مستأنف، وليس مجزوما مثل «نهلك».
(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٩٧
أمل ودعاء وغاية
اللهم اجعل كل ما تعلّمته- حفظته أو نسيته، وعلّمته، طوال حياتي، وكتبته أو ألّفته «١» من فيض فضلك، ومن حركة القلم الذي أكتب به، وومضة الفكر وإشعاعاته، وإجهاد العقل ونتاجه، وعناء النفس ليل نهار، ونور البصيرة والبصر، وإصغاء السمع، ووعي القلب... ذخرا لي عندك، مخلصا لك فيه عملي، ومن أجل إعلاء كلمتك ونشر دينك، وتيسير العلم لأهله على وفق أذواق العصر والمعاصرين، وبقصد مرضاتك ووجهك الكريم، مبعدا عني بعد المشرقين كل ما يشوب ذلك من رياء أو سمعة أو شهرة، تفيض به علي من جودك وإحسانك، واحتسابا للأجر والثواب الواسع من لدنك وجنابك، فتقبّل مني يا كريم قليلي في كثيرك، ويسيري في سعتك، فإني في عصر لم أتمكن فيه من القيام بجهاد مثلما قام به السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأجزل به الأجر والنفع المنشود في حياتي وبعد مماتي، وحتى يوم العرض الأكبر عليك، وثقّل به ميزان حسابي، وحقق لي بفضلك ورحمتك النجاة يوم المعاد، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، يا أكرم مسئول، والحمد لله رب العالمين.
أ- د: وهبة مصطفى الزحيلي
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
الأنفال ٨/ ٢٤
التّفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
في آخر الكتاب فهرسة ألفبائية شاملة
الأستاذ الدكتور وهبة الزّحيلي
رئيس قسم الفقه الاسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق
الجزء الأول
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي