الآيتان ٥و٦ :( والثالث : جائز )١ أن يكون قوله تعالى الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ٢ صير الموسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
( والرابع :)٣ على التقديم والتأخير، معناه : قل أعوذ برب الناس من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس.
أما الوسوسة فهو أمر معروف، وذلك مما يلقى من الكلمات التي تشغل القلب، وتحيره لما في أمر الدين ما٤ لا يعرف الذي يلقى إليه المخرج من ذلك.
وعلى ذلك أمر أهل الأهواء وأصناف الكفرة كقوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ( الأنعام : ١١٢ )، وقوله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ( الأنعام : ١٢١ ).
وأما شياطين الجن فهو أمر ظاهر عند جميع أهل الأديان ومن آمن بالرسل عليهم الصلاة والسلام، لكن الدهرية ومنكري ( الرسل )٥ يقولون : ليس في الجن شياطين، وإنما هو أمر يخوف به مدعو الرسالة، ليلزموا الخلق الاستماع إليهم في تعريف الجهل، وما عندهم في دعواهم من العلوم والمعارف ( شيء )٦، وهذا لسفههم قالوه٧. ولو أنهم تأملوا في ذلك لعرفوا أنهم على غير بحث عما ألزمهم ضرورة الفعل الطلب، ودعتهم إلى البحث عنه ما مسهم من الحاجة، وهي الخواطر التي تقع في القلوب والخيالات التي تعرض في الصدور / ٦٦٠ أ/ ( منها ما )٨ إذا صورت وجدت قباحا، ومنها ٩ ما إذا صورت وجدت حسانا.
ولا يجوز وقوع أمر أو كون شيء بعد أن لم يكن من قبل نفسه للإحالة في أن يصير، لا شيء بنفسه، شيئا قبيحا أو حسنا بلا مدبر، وقد علم جميع الإنسان بالذي ذكرت من الابتلاء به مما يعلم أنه لم يكن من نفسه معنى يحدث له ذلك.
فثبت أن قد كانت الضرورة تلزم البحث عن ذلك. ثم لا يعلم من حيث الأبدان الموجبة لها، ولا في العقول دركها، فيجب بها أمران منعاهم عن العلم بهما، ( هما )١٠ القنوع بالجهل وحب الراحة : أحدهما القول بالصانع، ودخول العالم تحت تدبير حكيم عليم قدير. والآخر القول بالرسالة، تأتيهم من عند علام الغيوب. وإذا كان ذلك بحيث لا يبلغه علم البشر، فيعرف حقيقة ذلك، فيعلم عند النظر والبحث أمرين عظيمين :
أحدهما : الرسل بما معهم من المعجزات، فيقولون بهم وبالتوحيد بما رأوا من الآيات الصدق، وإذ قد علموا أن في الأخبار صدقا، لولا ذلك لكانوا لا يدعون شيئا، إذ هو خير لهم١١.
والثاني : يلزمهم بما يعانون من خروج الأمر من غير الحكماء أنها تقع متفاوتة مضطربة، والعالم بما خرج منشقا على الحكمة والمصلحة، فعلموا أنه كان يعلم١٢ ما به الصالح، فيلزمهم به أمران أيضا : التوحيد والرسالة، ولا قوة إلا بالله تعالى.
والأصل عندنا بتمكين الشيطان ما ذكرنا من الوسوسة : أن الشيطان والملك خلقان لله تعالى، عرفناهما بالرسل عليهم السلام، وبما بينا من ضرورة الحاجة إلى العلم بمن بالغاية يصير عند التصوير قبيحا أو حسنا، فيأتيان جميعا بما مكنهما الله تعالى من الأمرين جميعا : أمر الملائكة الخير والحكمة، فيسهل عليه سبيله بتيسير الله تعالى وفضله، وأمر الشيطان الضلال والشر، فييسر عليه، حتى صار الخير للأول كالطبع، والشر للثاني كذلك.
فإذن كان كل واحد ممكنا من الأمرين : قال الله تعالى : فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى إلى قوله تعالى : فسنيسره للعسرى ( الليل : ٥ ١٠ )، وقال الله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه إلى قوله تعالى : كأنما يصعد في السماء ( الأنعام : ١٢٥ ).
ثم الأصل في الإنس أنهم امتحنوا بحقوق بينهم وبين الله تعالى وبحقوق في ما بينهم، وكلفوا بتثبيت الملائكة إياهم ( بقوله )١٣ تعالى : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ( الأنفال : ١٢ )، وأمروا برد ما يوسوس إليهم الشيطان بقوله تعالى : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ( فاطر : ٦ ) وغير ذلك.
وعلى ذلك خلقت الملائكة ممتحنين بالكتابة على البشر بقوله : كراما كاتبين ( الانفطار : ١١ )، فتكون الحكمة في تكليف التمكين لما وصف من محنة الله تعالى إياهم طاعتهم في أنفسهم، وفي ما مكنوا من غيرهم على ما ذكرت من أمر الإنس.
وحكمة ذلك للإنسان١٤ إلزام التيقظ والنظر في ما يقع في قلبه من الخواطر، ليعلم الذي له من الذي عليه، وكذلك في تكليف الملائكة كتابة قوله وفعله ليكون متيقظا ومنتبها في كل أفعاله وأحواله، كتيقظه في ما كان الأولياء والأعداء من الكاتبين الظاهرين عليه أنه يحذر كل الحذر عما يؤذي وليه، ويقبل على كل أمر فيه يطمع بما أمل، ويحذر عدوه أشد الحذر لئلا يؤذيه من حيث لا يعلم، فيتهمه كل تهمة.
ثم معلوم ألا يمل الكتبة إلا بعد إحكامه وإصلاحه غاية ما يحتمل الوسع.
فعلى ذلك في ما خفي، إذ هم في العقول في ( درك )١٥ ما منهم وما عليهم، كالذين ذكر منهم ممن ظهر وألا يضارهم، والله الموفق.
وكذلك صلحت المحنة والأمر في صحبة الأولياء والأعداء بحق الولاية والعداوة في ما لا يرون صلاحها، وفي ما يرون، إذ من الوجه الذي فيه الولاية والعداوة مزينة لأبصار القلوب والعقول، فيمكن الحذر والمعاملة جميعا.
وعلى هذا التقدير لم يمكن الله أعداءه الذين لا يرون من معاداتهم بأفعال من أبدانهم وأموالهم بالسلب والتنجيس والإفساد، وقد مكن أعداءهم من الإنس ذلك لتمكنهم الدفع عن ذلك والحذر عنه بما وقع الوقوف على حيل بعض، والصرف عن ذلك.
وما هذا إلا كدرك الحواس بأفعالها وأسبابها بالحس، وكذلك أمر الملائكة.
لكن من لا يحتمل عقله معرفة الصانع والتوحيد مع شهادة العقل وكل شيء فجهله بالشيطان غير مستبعد ولا مستنكر، والله اعلم.
قال رضي الله عنه : ثم اختلف في وجه تمكن الشيطان من الإنس في ما يوسوس إليه : قد روي في بعض الأخبار " أنه يجري فيه مجرى الدم " ( مسلم ٢١٧٤ )، فأنكر ذلك قوم، وليس ذلك مما ينكر بعد العلم باحتمال جري الدم فيه، وجري قوة الطعام والشراب وما به حياة الأبدان مما لطف مجراه في جميع العروق والأعصاب. وكل شيء بلطافة ذلك ( فعل ذلك )١٦ الشيطان.
وعلى ما روي في أمر الملك مما يكتب ما لا يعلم موضع تعوذه، ولا يسمع صرير قلمه، ولا ما يكتب علينا من ذلك أمر الذي ذكرت.
ثم قد ثبت القول بأمر الله تعالى نبيه أن يتعوذ به من همزه ونزغه وحضوره بقوله تعالى : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ الآية ( الأعراف : ٢٠٠، وفصلت ٣٦ )، وقوله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ( المؤمنون : ٩٧ )، وقوله١٧ تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ( الأعراف : ٢٠١ )، وقوله :١٨ الذي يتخبطه الشيطان من المس الآية ( البقرة : ٢٧٥ )، فثبت أن أمره على ما يشاء.
ثم القول في أي موضع لوقت ما له من الوحي والمس والنزغ أمر لا يحتاج إليه بحق ؛ لأن الله تعالى أخبرنا أنا لا نراه بقوله : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ( الأعراف : ٢٧ ).
ولكن الذي رجعت المحنة إلى أفعاله التي يقع لها آثار في الصدور، وقد مكنا بحمد الله تعالى منه١٩ لندرك منّه.
وإنما علينا التيقظ لما يقع في الصدور من أفعاله ووساوسه لندفع بما مكننا الله تعالى من الأسباب، وعرفنا من الحجج نقض الباطل، والتمسك بالحق، كقوله تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ( الأعراف : ٣٠١ ).
ورجعوا إلى الله تعالى بالتعوذ في طلب اللطف الذي جعله الله تعالى للدفاع، كقول يوسف عليه السلام وإلا تصرف عن كيدهن أصب إليهن الآية ( يوسف : ٣٣ )، على العلم فيه بطوائف الأشياء من المجعول لدفع كيدهن.
وكذلك قول الراسخين في العلم : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة الآية ( آل عمران : ٨ ).
لكن من الناس من يقول : هو يعلم في ما تهوى، فيزين لها ذلك، والعقل في ما يدعو إلى ذلك، يمنعه٢٠ عن ذلك.
ومنهم من يقول : لا، لكن في ذلك آثار من الظلمة والنور، والطيب والخبيث، فتعرف بالآثار، وفيها موقع وسواسه حتى يصل إلى العقل. وقد يكون عمل الهوى والعقل جميعا في الجسد وخارج منه، وبخاصة آثار الأعمال.
ومنهم من يقول : ليس له من ذلك علم / ٦٦٠ ب/، لكن بكل ما يرجو العمل من التغرير، أو في التمويه والتلبيس كالأعمى في ما يمس، ويطلب المضار من المنافع ونحو ذلك، لكن ذلك كله طريق عمل الشيطان، وطريق إمكانه وحيله، وذلك من لم يؤمن بمعرفته، وإنما علينا مجاهدته في منع ذلك بالتيقظ أو بدفعه بما نتذكر، هكذا ذكرت في الآيات، أو بالفزع إلى الله تعالى في دفعه ومنعه إن حضر بما عنده من اللطائف التي لديها يقع الأمن عن الزيغ والظفر بالرشد.
ويؤول كثير منهم أنه يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الناس، وذلك ممكن بما يكون من كل جنس ضلال وغواة وأخيار وأبرار.
فأما حق تأويل السورة ( فهو )٢١ على ما وصفنا في ذكر وسواس الجن والإنس.
ثم القول في المعوذتين : إنهما من القرآن، أو ليستا من القرآن.
قال الفقيه، رحمه الله : لنا من أمرهما أنهما أنبهتا بما أنبهت إلى أهل هذا العصر معرفة القرآن في الجميع بين اللوحين بتوارث الأمة. ولسنا نحن ممن يعرف بالمحنة والسر بما به نعلم أنهما معجزتان أو لا. وإنما حق ذلك ( الأخذ عن أهل ذلك العصر )٢٢ )٢٣، والشهادة بعد ذلك أنهما من القرآن، وأنه معجز، حق أمثالنا فيه الاتباع، وقد اتضح بما به جرى التعارف في جميع الشرائع التي بها يشهد أنها عن الله تعالى، وأنها حق. فعلى ذلك هذا.
لكن ذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لم يكتبهما في مصحفه. وذلك عندنا يخرج على وجهين :
أحدهما : أنه لم يكن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه )٢٤ قال فيهما شيئا أنهما من القرآن أو٢٥ لا.
( والثاني :)٢٦ لم يكن أيضا رأى على نفسه السؤال عن ذلك حقا واجبا ؛ لأن القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في ما يلزم علم الشهادة والعمل به واحد ؛ إذ المقصود من كل ذلك القيام بالمقصود من حق الكلفة لا التسمية. ولم يكن النجباء يمتحنون أنفسهم بالسر في الوجود ( التي )٢٧ بها يعرفون المعجز من غير ذلك أنه قرآن أو غيره. وإنما ذلك من عمل المرتابين الشاكين في خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ليعرفوا أنه مبعوث مرسل.
فأما من تقرر عنده، واطمأن به قلبه، وزال عنه الحرج في ما آتاهم، فقد كفوا ( عن )٢٨ ذلك.
وكذلك يجوز ترك البحث عن ذلك لما ذكرت، لا أن عنده أنهما ليستا من القرآن.
وفي خبر عقبة ( ابن عامر )٢٩ الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " نزل اليوم آيات لم ير مثلهن قط، قيل : ما هن يا رسول الله ؟ فقال : المعوذتان " ( مسلم ٨١٤ / ٢٦٥ ) دل أنهما من القرآن.
وأيد أيضا ما ذكرت في ترك الكتابة ما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بهما : قال ( لي. . . قال : فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )٣٠ ( البخاري ٤٦٩٣ )، لم نشهد في تلك بأنهما منه، ولا ليستا منه، بما لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بهما.
فعلى ذلك أمر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ويؤيد ذلك أيضا استعاذة القرآن أنها مقدمة على القراءة، وحق هاتين السو
٢ أدرج بعدها في الأصل وم.
٣ في الأصل وم: وقيل أيضا.
٤ في الأصل وم: بما.
٥ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٦ ساقطة من الأصل وم.
٧ الهاء ساقطة من الأصل وم.
٨ ساقطة من الأصل وم.
٩ في الأصل وم: ومنهم.
١٠ ساقطة من الأصل وم.
١١ في الأصل وم: له.
١٢ في الأصل وم: بعد.
١٣ ساقطة من الأصل وم.
١٤ في الأصل وم: للإنس.
١٥ ساقطة من الأصل من م.
١٦ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
١٧ في الأصل وم: وقال.
١٨ في الأصل وم: وقال.
١٩ في الأصل وم: ومنه.
٢٠ في الأصل وم: ويمنعه.
٢١ ساقطة من الأصل وم.
٢٢ ساقطة من م.
٢٣ من م، ساقطة من الأصل.
٢٤ ساقطة من الأصل وم.
٢٥ في الأصل وم: أم.
٢٦ في الأصل وم: و.
٢٧ من م، ساقطة من الأصل.
٢٨ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٢٩ ساقطة من الأصل وم.
٣٠ ساقطة من الأصل وم.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم