وأول ما أمر به الله أن يوصل هو صلة الرحم ؛ أي : أن تصل ما يربطك بهم نسب. والمؤمن الحق إذا سلسل الأنساب ؛ فسيدخل كل المؤمنين في صلة الرحم ؛ لأن كل المؤمنين رحم متداخل ؛ فإذا كان لك عشرة من المؤمنين تصلهم بحكم الرحم ؛ وكل مؤمن يصل عشرة مثلك، انظر إلى تداخل الدوائر وانتظامها ؛ ستجد أن كل المؤمنين يدخلون فيها.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الحديث القدسي :
" أنا الرحمن ؛ خلقت الرحم، واشتققت لها اسماً من اسمي ؛ فمن وصلها وصلته ؛ ومن قطعها قطعته ".
وقد رويت من قبل قصة عن معاوية رضي الله عنه ؛ فقد جاء حاجبه ليعلن له أن رجلاً بالباب يقول : إنه أخوك يا أمير المؤمنين.
ولابد أن حاجب معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان لا إخوة له، لكنه لم يشأ أن يتدخل فيما يقوله الرجل ؛ وقال معاوية لحاجبه : ألا تعرف إخوتي ؟ فقال الحاجب : هكذا يقول الرجل. فأذن معاوية للرجل بالدخول ؛ وسأله : أي إخوتي أنت ؟ أجاب الرجل : أخوك في آدم. قال معاوية : رحم مقطوعة ؛ والله لأكون أول من يصلها.
والتقى الفضيل بن عياض بجماعة لهم عنده حاجة ؛ وقال لهم : من أين أنتم ؟ قالوا : من خراسان. قال : اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم.
وقد أمرنا سبحانه أن نصل الأهل أولاً ؛ ثم الأقارب ؛ ثم الدوائر الأبعد فالأبعد ؛ ثم الجار، وكل ذلك لأنه سبحانه يريد الالتحام بين الخلق ؛ ليستطرق النافع لغير النافع، والقادر لغير القادر، فهناك جارك وقريبك الفقير إن وصلته وصلك الله. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ومن خلاله يأمر كل مؤمن برسالته : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى.. " ٢٣ " ( سورة الشورى ).
وقال بعض من سمعوا هذه الآية : قرباك أنت في قرباك. وقال البعض الآخر : لا، القربى تكون في الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن القرآن قال في محمد صلى الله عليه وسلم :
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ٦ " ( سورة الأحزاب )وهكذا تكون قرابة الرسول أولى لكل مؤمن من قرابته الخاصة. يستمر قول الحق سبحانه في وصف أولي الألباب : ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب " ٢١ " ( سورة الرعد ) والخشية تكون من الذي يمكن أن يصيب بمكروه ؛ ولذلك جعل الحق هنا الخشية منه سبحانه ؛ أي : أنهم يخافون الله مالكهم وخالقهم ومربيهم ؛ خوف إجلال وتعظيم. وجعل سبحانه المخاف من سوء العذاب ؛ وأنت تقول : خفت زيداً، وتقول : خفت المرض، ففيه شيء تخافه ؛ وشيء يوقع عليك ما تخافه.
وأولو الألباب يخافون سوء حساب الحق سبحانه لهم ؛ فيدعهم هذا الخوف على أن يصلوا ما أمر به سبحانه أن يوصل، وأن يبتعدوا عن أي شيء يغضبه. ونحن نعلم أن سوء الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه ؛ فسبحانه منزه عن ظلم أحد، ولكن من يناقش الحساب فهو من يلقي العذاب ؛ ونعوذ بالله من ذلك، فلا أحد بقادر على أن يتحمل عذاب الحق له.
تفسير الشعراوي
الشعراوي