ﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒ

ومحل الذين آمنوا النصب على البدلية من قوله : مَنْ أَنَابَ أي : أنهم هم الذين هداهم الله وأنابوا إليه. ويجوز أن يكون الذين آمنوا خبر مبتدأ محذوف أي : هم الذين آمنوا، أو منصوب على المدح وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أي : تسكن وتستأنس بذكر الله سبحانه بألسنتهم، كتلاوة القرآن، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتوحيد، أو بسماع ذلك من غيرهم، وقد سمي سبحانه القرآن ذكراً قال : وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه [ الأنبياء : ٥٠ ]، وقال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر [ الحجر : ٩ ]. قال الزجاج : أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين بخلاف من وصف بقوله : وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة [ الزمر : ٤٥ ] وقيل : تطمئن قلوبهم بتوحيد الله، وقيل : المراد بالذكر هنا : الطاعة، وقيل : بوعد الله، وقيل : بالحلف بالله، فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه، وقيل : بذكر رحمته، وقيل : بذكر دلائله الدالة على توحيده أَلاَ بِذِكْرِ الله وحده دون غيره تَطْمَئِنُّ القلوب والنظر في مخلوقات الله سبحانه وبدائع صنعه وإن كان يفيد طمأنينة في الجملة، لكن ليست كهذه الطمأنينة، وكذلك النظر في المعجزات من الأمور التي لا يطيقها البشر، فليس إفادتها للطمأنينة كإفادة ذكر الله، فهذا وجه ما يفيده هذا التركيب من القصر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن [ سابط ] في قوله : وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ متاع قال : كزاد الراعي يزوده أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل يخرج في الزمان الأول في إبله، أو غنمه، فيقول لأهله : متعوني فيمتعونه فلقة الخبز أو التمر، فهذا مثل ضربه الله للدنيا. وأخرج الترمذي وصححه عن عبد الله ابن مسعود قال :( نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك ؟ فقال ) ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلاّ كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها ) وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن المستورد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما الدنيا في الآخرة إلاّ كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع ؟ وأشار بالسبابة ) وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله قال : هشت إليه واستأنست به، وأخرج أبو الشيخ عن السدّي في الآية قال : إذا حلف لهم بالله صدقوا. أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب قال : تسكن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال : بمحمد وأصحابه. وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين نزلت هذه الآية ألا بذكر الله تَطْمَئِنُّ القلوب هل تدرون ما معنى ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : من أحبّ الله ورسوله وأحبّ أصحابي ) وأخرج ابن مردويه عن عليّ :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية : أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب قال : ذاك من أحبّ الله ورسوله، وأحبّ أهل بيتي صادقاً غير كاذب، وأحبّ المؤمنين شاهداً وغائباً، ألا بذكر الله يتحابون ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : طوبى لَهُمْ قال : فرح وقرّة عين. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله : طوبى لَهُمْ قال : نعم ما لهم.
وقد روي عن جماعة من السلف نحو ما قدّمنا ذكره من الأقوال، والأرجح تفسير الآية بما روي مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي عن عتبة ابن عبد قال :( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله في الجنة فاكهة ؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى ) الحديث. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أن رجلاً قال : يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك، قال :( طوبى لمن آمن بي ورآني، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني )، فقال رجل : وما طوبى ؟ قال :( شجرة في الجنة مسير مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) وفي الباب أحاديث وآثار عن السلف، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم وَظِلّ مَّمْدُودٍ ) [ الواقعة : ٣٠ ] وفي بعض الألفاظ ( إنها شجرة الخلد ) وأخرج أبو الشيخ عن السديّ وَحُسْنُ مَآبٍ قال : حسن منقلب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشاً كتب في الكتاب :( بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش : أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه : دعنا نقاتلهم، فقال :( لا، ولكن اكتبوا كما يريدون ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في هذه الآية نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وَإِلَيْهِ مَتَابِ قال : توبتي.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية