ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ( ١ ) ( ١٠ ) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ ( ١١ ) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ( ٢ ) فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( ١٢ ) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ( ١٣ ) [ ١٠ – ١٣ ].
في الآيات خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله قد أرسل من قبله رسلا إلى الأمم السابقة، فكانوا يستهزئون بهم ويعجزونهم كما يفعل قومه معه. وتقرير رباني بأن هذا هو دأب المجرمين الذين فسدت أخلاقهم وخبثت سرائرهم فلا يؤمنون بما يأتيهم من ذكر من ربهم، وقد مضت سنة الله في أمثالهم الأولين.
والآيات كذلك متصلة بالسياق، وقد استهدفت تطمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقرير طبيعة الكفار الإجرامية، وتعليل عدم إيمانهم بذلك، والتنديد بهم وإنذارهم وسلكهم في سلك الأمم السابقة التي أهلكها الله بسبب إجرامها الذي أداها إلى عدم الإيمان بما أنزل الله من كتب وبينات.
تعليق على مدى الآية
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
والآية التالية لها
والآيتان [ ١٢ – ١٣ ] شبيهتان بالآيتين [ ٢٠٠ و ٢٠١ ] من سورة الشعراء. وقد جاء كل منهما بعد ذكر القرآن ؛ ولذلك أولناهما هنا كما أولناهما هناك وصرفنا الضمير في نَسْلُكُهُ و لاَ يُؤْمِنُونَ إلى القرآن الذي عبر عنه هنا بكلمة ( الذكر ).
ولقد اختلف المؤولون والمفسرون في عائدية الضمير في الكلمتين كما اختلفوا في ذلك سياق آيات سورة الشعراء، ولكن بعضهم توسع في الشرح والتعليق ؛ حيث قال الذين حرفوا الضمير في نَسْلُكُهُ إلى الكفر والشرك والاستهزاء : إن الجملة تعني أن الله سبحانه أدخل الكفر والشرك والاستهزاء في قلوبهم وحسنه لهم، وأنها أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند. وأنكروا صرف الضمير إلى الذكر الذي قاله فريق آخر، وقالوا إن هذا هو قول المعتزلة١. والحق الذي تبادر لنا أن صرف الضمير إلى القرآن هو الأولى المتسق مع نظم الآيات ومقامها وإن في صرفه إلى الاستهزاء والكفر لورود صيغة ( يستهزئون ) تكلفا. وليس من شأن نسبته القول إلى المعتزلة أن نتحاشى تأييده. ونحن نتحاشى كل التحاشي من تعبير ( إن الله قد حسن الكفر للكافرين وأدخله في قلوبهم ) لمجرد الرغبة في إثبات القدر من العبارات القرآنية ونرى فيه شيئا من البشاعة. وننزه الله تعالى عنه وهو الذي يقول : إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور الزمر :[ ٧ ] ويقول : هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا [ فاطر : ٣٩ ]. وفي القرآن مئات من الآيات التي تحمل الكفر والإجرام لأصحابهما وترتب عليهم عقابا بسببها وحتى لو سلمنا جدلا أن صرف الضمير إلى الكفر والاستهزاء فلا يكون في ذلك الإثبات والبرهان اللذان التمسوهما من العبارة ؛ لأنها تصف الكفار بالمجرمين وتكون من باب ويضل الله الظالمين إبراهيم :[ ٢٧ ] و وما يضل به إلا الفاسقين البقرة :[ ٢٦ ] و كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون يونس :[ ٣٣ ] والله تعالى أعلم.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير