الآية ١١ :( وقوله تعالى )١ : وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه وأذاهم ؛ يقول، والله أعلم : لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك، وليَخِفَّ ذلك عليه، ويهون، لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة / ٢٧٥ – أ / أصابته أو بلاء، يصيبه، كان ذلك أيسر عليه وأهون من أن يكون مخصوصا به من بين سائر الخلائق، والله أعلم.
وكأن٢ هذه الآية صلة قوله : يا أيها الذي نزل عليه الذكر ( الحجر : ٦ ). فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك. فعند ذلك قال : ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ( الحجر : ١٠ ) إلى آخره يصبره على أذاهم وهزئهم به. فإنما يشتد عليه ذلك على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ( الشعراء : ٣ ) وقال٣ : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ( فاطر : ٨ ) كادت نفسه تهلك.
أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء أعني قومه إنما استهزؤوا به تقليدا لآبائهم واقتداء بهم وتلقنا منهم، لا أنهم أنشؤوا ذلك من أنفسهم، وأولئك أعني الأوائل إنما استهزؤوا برسلهم لا تقليدا لأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم. فمن استهزأ بآخر، فشتمه، تقليدا واقتداء وتلقنا كان ذلك أيسر عليه وأخف من فعل ( من فعله )٤ من ذاته، لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة بمثل ذلك.
فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء والسالمون من الآفات فلا. فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم، والله أعلم.
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: قوله..
٤ في الأصل وم: به..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم