إلا من استَرَق السمعَ أي : حفظناها من الشياطين، إلا من استرق منها. والاستراق : الاختلاس، رُوي أنهم يركبون بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى السماء، فيسمعون أخبار السماء من الغيب، فيخطف الجن الكلمة قبل الرمي فيلقيها إلى الكهنة، ويخلط معها مائة كذبة، كما في الصحيح. رُوي عن ابن عباس : أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات، فلما ولد عيسى عليه السلام مُنعوا من ثلاث سماوات، فلما وُلد محمد صلى الله عليه وسلم مُنعوا من كلها بالشهب. وقيل : الاستثناء منقطع، أي : ولكن من استرق السمع، فأتبعه لحقه شهابٌ مبين ؛ ظاهر للمبصرين. والشهاب : شُعلة نار يقتبسها الملك من النجم، ثم يضرب به المسترق، وقيل : النجوم هي التي تضرب بنفسها، فإذا أصابت الشيطان قتلته أو خبلته فيصير غولاً.
سُئل سهل رضي الله عنه عن القوت، فقال : هو الحي الذي لا يموت، فقيل : إنما سألناك عن القوام. فقال : القوام هو العلم، فقيل : سألناك عن الغذاء، فقال : الغذاء هو الذكر، فقيل : سألناك عن طعام الجسد، فقال : ما لَكَ وللجسد، دع من تولاَّه أولاً يتولاه آخراً، إذا دخلت عليه علة رده إلى صانعه، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها. وأنشدوا :
واستكمال فضيلة النفس هو تزكيتها وتحليتها حتى تشرق عليها أنوار العرفان، وتخرج من سجن الأكوان. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى : وإن من شيء من الأرزاق المعنوية والحسية، أو العلوم اللدنية، والفتوحات القدسية إلا عندنا خزائنه ؛ فمن توجه بكليته إلينا فتحنا له خزائن غيبنا، وأطلعناه على مكنون سرنا شيئاً فشيئاً، وما نُنزله إلا بقدر معلوم . وقال الورتجبي : عِلْم الإشارة في الآية : دعوة العباد إلى حقائق التوكل، وهي : قطع الأسباب، والإعراض عن الأغيار، قيل : كان الجنيد رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، قال : فأين تذهبون ؟. وقال حمدون : قطع أطماع عبيدهِ عمن سواه بقوله : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، فمن رفع بعد هذا حاجته إلى غيره، فهو لجهله ولؤمه. هـ. يَا خادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ وتَطلُب الربْحَ مما فيه خُسْرَانُ عليك بالنفسِ فاستكمل فَضِِيلَتَهَا فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
وأرسلنا رياح الهداية لواقح، تلقح الطمأنينة والمعرفة في قلوب المتوجهين، وتلقح اليقين والتوفيق في قلوب الصالحين، وتلقح الإيمان والهداية في قلوب المؤمنين، فأنزلنا من سماء الغيب ماء العلم اللدني، فأسقيناكموه على أيدي وسائط الشيوخ، أو بلا واسطة، وما أنتم له بخازنين، بل يفيض على قلوبكم عند غلبة الحال، أو لهداية مريد، أو عند الاحتياج إليه عند استفتاح القلوب، وإنا لنحن نُحيي قلوباً بالمعرفة واليقين ونميت قلوباً بالجهل والكفر، ونحن الوارثون ؛ لبقاء أنوارنا على الأبد. ولقد علمنا المستقدمين منكم إلى حضرة قدسنا بالاستعداد، وإعطاء الكلية من نفسه، ولقد علمنا المستأخرين عنها بسبب ضعف همته، وإن ربك هو يحشرهم ؛ فيُقرب قوماً لسبقهم، ويبعد آخرين لتأخرهم. إنه حكيم عليم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي