ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

(إلا) أي لكن (من استرق السمع) من غير دخول، وهذا وجه الانقطاع، والسمع بمعنى المسموع وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضاً

صفحة رقم 154

حتى يبلغوا إلى السماء فيسترقوا السمع من الملائكة، وقيل الاستثناء متصل، أي إلا من استرق فإنها لا تحفظ منه.
قال أبو السعود: محله النصب على المتصل إن فسر الحفظ بمنع الشياطين من التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة أو المنقطع إن فسر ذلك بالمنع من دخولها والتصرف فيها انتهى. قال ابن عباس: أراد أن يخطف السمع كقوله إلا من خطف الخطفة.
(فأتبعه شهاب مبين) والمعنى حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنه تتبعه وتلحقه الشهب فتقتله أو تخبله أو تحرقه أو تثقبه، ومعنى فأتبعه تبعه ولحقه أو أدركه والشهاب الكوكب نفسه أو النار المشتعلة الساطعة منه كما في قوله بشهاب قبس.
وصنيع البيضاوي يقتضي أن الشهاب بمعنى الشعلة هو الحقيقة والكثير وبمعنى الكوكب هو القليل، وسمي الكوكب شهاباً لبريقه شبه بشهاب النار وانفصاله منها، والمبين الواضح الظاهر للمبصرين يرونه لا يلتبس عليهم. قال القرطبي: واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا، فقال ابن عباس: يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، يقال خبلته خبلاً من باب ضرب إذا أفسدت عضواً من أعضائه أو أذهبت عقله، والخبال بالفتح يطلق على الفساد والجنون.
وقال الحسن وطائفة يقتل. فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان:
أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء ولذلك انقطعت الكهانة.
والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن قال ذكره الماوردي ثم قال: والقول الأول أصح.

صفحة رقم 155

قال: واختلف هل كان رمى بالشهب قبل المبعث فقال الأكثرون نعم: وقيل لا، وإنما ذلك بعد المبعث، قال الزجاج: والرمي بالشهب من آيات النبي ﷺ مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم والجمع بين هذين القولين إن الرمي بالنجوم كان موجوداً قبل مبعث النبي ﷺ فلما بعث شدد ذلك وزيد في حفظ السماء وحراستها صوناً لأخبار الغيوب.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها (١) وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أْن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال له أليس قد قال لنا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سعت من السماء " أخرجه البخاري (٢).
قال كثير من أهل العلم: نحن نرى انقضاض الكواكب فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم تصير ناراً إذا أدرك الشيطان ويجوز أن يقال يرمون بشعلة من نار الهواء فيخيل إلينا أنه نجم يسري.
_________
(١) أي أمالها انتهى مجمع البخار.
(٢) البخاري كتاب التوحيد الباب ٣٢ - كتاب التفسير سورة ١٥/ ١ سورة ٣٤/ ١ الترمذي تفسير سورة ٣٤/ ٢.

صفحة رقم 156

وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)

صفحة رقم 157

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية