تفسير المفردات : واسترق : من السرقة، وهي أخذ الشيء خفية شبه به خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى. والسمع : المراد به ما يسمع. والشهاب : الشعلة الساطعة من النار الموقدة ومن السحاب في الجو وتبعث القوم تبعا وتباعة بالفتح : أي مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم وأتبعت القوم إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر شديد جحودهم وأنهم مهما أوتوا من الآيات لم يفدها ذلك شيئا حتى بلغ من أمرهم أن ينكروا المشاهدات ويدعوا الخداع حين رؤية المبصرات، - أعقب هذا ببيان أنهم قد كانوا في غنى عن كل هذا، فإن السماء وبروجها العالية، وشموسها الساطعة، وأقمارها النيرة، وسياراتها الدائرة، وثوابتها الباسقة عبرة لمن اعتبر وحجة لمن ادّكر، فهلا نظروا إلى الكواكب وحسابها، ونظامها ومداراتها، وكيف حدثت بها الفصول والسنون، وكيف كان ذلك بمقادير محدودة وأوقات معلومة ؟ لا تغيير فيها ولا تبديل، فبأمثال هذا يكون اليقين، وبالتدبر فيه تقوى دعائم الدين، ويشتد أزر سيد المرسلين.
وهلا رأوا الأرض كيف مدت، وثبتت جبالها، وأنبتت نباتها، بمقادير معلومة موزونة في عناصرها وأوراقها، وأزهارها وثمارها، وجعل فيها معايش للإنسان والحيوان أفلا يعتبرون بكل هذا ؟ وفي الأرض آيات للموقنين ٢٠ وفي أنفسكم أفلا تبصرون [ الذاريات : ٢٠ -٢١ ].
إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين أي لكن من أراد اختطاف شيء من عالم الغيب مما يتحدث به الملائكة في الملأ الأعلى – تبعه كوكب مشتعل نارا ظاهرا للمبصرين فأحرقه، ولم يصل إلى معرفة شيء مما يدبر في ملكوت السماوات، وبهذا المعنى قوله : لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب [ الصافات : ٨ ].
وجاء بمعنى الآية قوله في سورة الجن حكاية عنهم : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ٨ وأنا كنا نقعد مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا [ الجن : ٨ -٩ ] وقوله في سورة الملك : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [ الملك : ٥ ].
وبعد، فالكتاب الكريم أخبر بأن الشياطين أرادوا أن يختطفوا شيئا من أخبار الغيب مما لدى الملائكة الكرام، فسلطت عليهم الشهب المشتعلة، والنجوم المتقدة، فأحرقتهم، ولا نبحث عن معرفة كنه ذلك، ولا ننعم في النظر، لندرك حقيقته، لأنا لم نؤت من الوسائل والأسباب ما يمكننا من معرفة ذلك معرفة صحيحة، تجعلنا نؤمن به إيمانا مبنيا على البرهان بوسائله المعروفة، وليس لنا إلا التصديق بما جاء في الكتاب وأوحي به إلى النبي الكريم، والبحث وراء ذلك لا يوقفنا على علم صحيح، بل على حدس وتخمين، لا حاجة للمسلم به للإطمئنان في دينه، فالأحرى به أن يعرض عنه لئلا يحيد عن القصد، ويضل عن سواء السبيل.
تفسير المراغي
المراغي