ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ

ونعلم أن في اللغة ألفاظاً تدل على البحث وعلى رغبة المتكلم في أن يوجد السامع ما بعدها، ومن هذه الألفاظ " لولا " و " لوما ". و " لولا " تجئ للتمني ورغبة ما يكون بعدها، وإن كان ما بعدها نفياً فهو رغبة منك ألا يكون، مثل قولك " لو جاء زيد لأكرمته " لكن المجيء لم يحدث، وكذلك الإكرام.
وقد قال الكفار هنا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم : لو ما تأتينا بالملائكة.. " ٧ " ( سورة الحجر )
وسبق لهم أن قالوا :
لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً " ٧ " ( سورة الفرقان )وكأنهم يطلبون نزول ملك مع الرسول ليؤنسه وليصدقوا أنه رسول من عند الله، فهل كان تصديقهم المعلق على هذا الشرط ؛ تصديقاً للرسول، أم تصديقاً للملك ؟ وسبق أن تناول القرآن هذا الأمر في قول الحق سبحانه :
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً " ٩٤ " ( سورة الإسراء )وكأنهم علقوا الإيمان بالرسول على شرط أنه ليس ملكاً ؛ بل من صنف البشر، وجاء الرد عليهم : لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولاً " ٩٥ "
( سورة الإسراء ).
إذن : فلو نزل رسول من السماء ملكاً ؛ لما استطاع أن يمشي في الأرض مطمئناً ؛ فضلاً عن أنه لا يمكن ان يكون أسوة وقدوة للبشر ؛ لأنه من جنس آخر غير البشر.
ولو نزل عليهم ملك كما زعموا، وقال لهم : افعل ولا تفعل، واستقيموا واستغفروا، وسبحوه بكرة وأصيلا، لردوا عليه قائلين أنت ملك ينطبق عليك قول الحق : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " ٦ " ( سورة التحريم ).
وأنت لا تصلح أسوة لنا. ثم كيف تتكلمون مع ملك وهو من طبيعة مختلفة، ولن يستطيع البشر أن يرتفعوا إلى مستواه ليأخذوا منه، وهو لن يستطيع أن ينزل إلى مستوى البشرية ليأخذوا منه ؛ ولذلك شاء الحق سبحانه أن يرسل الرسول من جنس البشر.
وهكذا أبطل الحق سبحانه حجتهم في عدم الإيمان بالرسول ؛ لأنه لم يأت من جنس الملائكة ؛ وأبطل حجتهم في طلبهم أن ينزل مع الرسول ملائكة ؛ ليؤيدوه في صدق بلاغه عن الله.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير