وقوله تعالى : كما أنزلنا على المقتسمين عقب قوله وقل إني أنا النذير المبين نظير قوله تعالى في آية أخرى : أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود |فصلت : ١٣| وهو إشارة إلى أن القول في النذارة للمؤمنين كالقول فيها لغيرهم من " المقتسمين "، فنذارة الرسول عليه السلام شاملة وعامة للجميع على السواء، دون تمييز ولا استثناء.
وكلمة " المقتسمين " جمع " مقتسم " وهذا اللفظ له وجهان من الاشتقاق كلاهما وارد وصحيح :
-الوجه الأول اعتبار لفظ " المقتسم " مأخوذا من القسم وهو الحلف واليمين، ويصدق بهذا المعنى على أولئك الذين تحالفوا وتعاهدوا فيما بينهم على الطعن في كتاب الله، وصد الناس عن سبيل الله، فعبأوا جميع طاقاتهم لإعلان الحرب عليه وجها لوجه دون هوادة ولا تختل. ويندرج في هذا الصنف كل الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم في القديم والحديث. ومن السلف الطالح في هذا الباب الرهط الذين تقاسموا على اغتيال صالح وأهله ليلا، وإنكار العلم باغتياله نهارا، واليهم يشير قوله تعالى في سورة النمل : وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون |الآيتان : ٤٨، ٤٩|.
-الوجه الثاني اعتبار لفظ " المقتسم " مأخوذا من القسمة والتجزئة، ويصدق بهذا المعنى على أولئك الذين اختاروا للطعن في كتاب الله، وصد الناس عن سبيل الله، طرقا ملتوية، مطبوعة بطابع الدس والمخاتلة والخداع، فوزعوا فيما بينهم أدوار الهدم والتخريب، وتصدى كل فريق منهم لجانب من الجوانب التي يحسن فيها التمويه والتضليل والتدجيل، وذلك في نفس الوقت الذي يتظاهرون فيه بالاهتمام بالإسلام، ويعربون عن إعجابهم ببعض جوانبه، وهكذا نجد البعض منهم يخصص وقته للطعن في عقيدة الإسلام، والبعض الآخر يكرس جهوده لإبطال شريعة الإسلام، ونجد أحدهم يأخذ على عاتقه تشويه تاريخ الإسلام، والآخر ينكر وجود أية حضارة للإسلام، ومن هؤلاء فريق غير قليل من المستشرقين، وكثير من المستغربين. ومن السلف الطالح في هذا الباب ما سجله التاريخ عن بضعة عشر نفرا من مشركي قريش اجتمعوا تحت رياسة كبيرهم الوليد بن المغيرة قبل حلول موسم الحج، وقرروا أن يقتسموا مداخل مكة عندما يحضر الموسم، فقعدوا عند حلول موسم الحج في كل مدخل، متفرقين في طرقها وجبالها وفجاجها، لينفروا الوافدين عليها من الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الإيمان به. يقول أحدهم : لا تغتروا به فإنه ساحر، ويقول الآخر : لا تغتروا به فإنه كذاب، ويقول الآخر : لا تغتروا به فإنه شاعر، ويقول الآخر لا تغتروا به فإنه كاهن، ويقول الآخر : لا تغتروا به فإنه من الغاوين، وليجمعوا أمرهم نصبوا الوليد بن المغيرة حكما عند باب البيت الحرام، ليزكيهم ويصدق مقالاتهم كلما سأله أحد الوافدين على البيت عن صدق ما قالوه، إلى آخر السلسلة الطويلة من البهتان وقول الزور، الذي حمل كل واحد منهم وزره، فلم يلبثوا أن أخذهم الله أخذا وبيلا.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري