المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه منزّه عن الشريك والولد، وأنه لا إله إلا هو، وأمر بتقواه وإخلاص العبادة له – ذكر هنا أدلة التوحيد واتصاف ذاته الكريمة بصفات الجلال والإكرام بأسلوب بديع جمع فيه بين دلالة المصنوع على الصانع والنعمة على المنعم، ونبه بذلك إلى أن كل واحد من هذا كاف في صرف المشركين عما هم عليه من الشرك، وكلما بصرهم طائفة مما يرون ويشاهدون بكتهم على ما يقولون ويفعلون، وبين لهم كفرانهم نعمتي الرعاية والهداية، فاحتج على وجوده بخلق الأجرام الفلكية، ثم ثنى بذكر أحوال الإنسان، ثم ثلّث بذكر أحوال الحيوان، ثم ربّع بذكر أحوال النبات، ثم اختتم القول بذكر أحوال العناصر الأربعة.
ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات أي ينبت لكم بالماء الذي أنزله من السماء زرعكم وزيتونكم ونخيلكم وأعنابكم ومن كل الثمرات غير ذلك – أرزاقا لكم وأقواتا نعمة منه عليكم وحجة على من كفر به.
إن في ذلك لآية لقوم يتفكون أي إن فيما ذكر من إنزال الماء وغيره. لأدلة وحججا على أنه لا إله إلا هو، لقوم يعتبرون مواعظ الله ويتفكرون فيها حتى تطمئن قلوبهم بها، وينبلج نور الإيمان فيها، فيضيء أفئدتهم ويزكّي نفوسهم، فمن فكّر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة منها تنفذ فيها، فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في الأرض ويخرج منها ساق ينمو وتخرج فيه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطباع – علم أن من هذه آثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في صفات كماله فضلا عن أن يشاركه في أخص صفاته وهي الألوهية واستحقاق العبادة.
ولله در القائل :
تأمّل في رياض الورد وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات على أهدابها ذهب سبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأنّ الله ليس له شريك
تفسير المراغي
المراغي