ثم حكى ما تقوله الملائكة بشرى لهم فقال:
(يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي تقول لهم الملائكة:
سلام عليكم، لا يحيق بكم مكروه بعد، ادخلوا الجنة التي أعدها لكم ربكم، ووعد كموها بما قدمتم من عمل، وبما دأبتم على تقواه وطاعته، والمراد من قوله (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) البشارة بالدخول فيها بعد البعث إذا أريد الدخول بالأرواح والأبدان، فإن أريد الدخول بالأرواح فحسب كان ذلك حين التوفى كما يشير إليه
قوله صلى الله عليه وسلّم «القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار».
أخرج ابن جرير والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولىّ الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة» اه.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)
تفسير المفردات
ينظرون: ينتظرون، وأمر ربك: هو الهلاك وعذاب الاستئصال، وحاق بهم أي أحاط بهم، وخص استعمالا بإحاطة الشر.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر طعن المشركين فى القرآن بنحو قولهم: إنه أساطير الأولين، وإنه قول شاعر، ثم هددهم بضروب من التهديد والوعيد، ثم أتبعه بالوعد بالثواب لمن صدق به- قفّى على ذلك ببيان أن الكفار لا يزدجرون عن أباطيلهم إلا إذا جاءتهم
الملائكة قابضة أرواحهم، أو يأتيهم عذاب الاستئصال، فلا يبى منهم أحدا، ثم أتبعه ببيان أن هؤلاء ليسوا ببدع فى الأمم، فقد فعل من قبلهم مثل فعلهم فأصابهم الهلاك جزاء ما فعلوا، وما ظلمهم الله ولكن هم قد ظلموا أنفسهم: «إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم».
الإيضاح
َلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ)
أي ما ينتظر كفار مكة الذين قالوا إن القرآن أساطير الأولين، إلا أن تأتيهم الملائكة تقبض أرواحهم.
َوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)
بالعذاب فى الدنيا كما فعل بأسلافهم من الكفار، فيرسل عليهم الصواعق، أو يخسف بهم الأرض، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، وهذا تهديد لهم على تماديهم فى الباطل واغترارهم بالدنيا.
وخلاصة هذا- حثهم على الإيمان بالله ورسوله، والرجوع إلى الحق قبل أن بنزل بهم ما نزل بمن قبلهم من السالفين المكذبين لرسلهم.
ثم ذكر أنهم ليسوا بأول من كذب الرسل فقال:
َذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
أي هكذا تمادى أسلافهم فى شركهم حتى ذاقوا بأسنا، وحل بهم عذابنا ونكالنا.
ثم ذكر أن ما يصيبهم جزاء لما كسبت أيديهم فقال:
َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
أي وما ظلمهم الله بإنزال العذاب بهم، لأنه أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم، بإرسال رسله، وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل وتكذيبهم ما جاءوا به.
ثم أعقبه بذكر ما ترتب على أعمالهم فقال:
(فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي فلهذا أصابتهم
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي