ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

بسم الله الرحمان الرحيم
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه، من آياتنا إنه، هو السميع البصير ( ١ )
المفردات :
سبحان : اسم فعل لتسبيح الله١ وتنزيهه، فمعنى سبحان الله : أسبح الله سبحانه التقديس والتنزيه على السوء من الذات والصفات والأفعال والأسماء والأحكام أي ما أبعد الذي له هذه الصفات عن جميع النقائص.
أسرى : سار في الليل٢ ومعنى أسرى به صيره ساريا.
ليلا : أي في جزء من الليل، أو في ساعات منه٣.
من المسجد الحرام : أي : ابتداء الإسراء المسجد الحرام وسمي حراما لتحريم القتل والعدوان فيه، حتى لو وجد فيه قاتل أبيه حرم عليه قتله داخل المسجد لقوله : ومن دخله كان آمنا.
إلى المسجد الأقصى : هو بيت المقدس وسمي الأقصى ؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام.
الذي باركنا حوله : بارك الله حوله بركات مادية ومعنوية وأحاطه ببركات الدنيا والدين، فجعل حوله الأشجار والثمار وجعله متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم.
لنريه من آياتنا : فيها بيان لحكمة الإسراء، وقد رأى النبي من آيات الله ودلائل قدرته الكثير ورأى صورا وأشكالا جسمت فيها المعاني بصورة ملموسة محسوسة.
كما رأى الملائكة تعبد الله على أشكال شتى منها القائم، والراكع، والساجد، ورأى الأنبياء والمرسلين، ورأى الجنة والنار.
وكان لدى النبي صلى الله عليه وسلم من الصفاء والنقاء والطهر ما جعله أهلا لأن يرى آيات الله في هذا الكون وأن يتفتح قلبه الشريف ليحيط بأسرار الكون ونظمه وليرى العالم العلوي وملائكة السماء، وهناك فرض الله عليه الصلاة تحية خالدة لهذا اللقاء الكريم.
إنه هو السميع البصير : السميع بدعاء محمد صلى الله عليه وسلم، البصير بما أصابه من أذى المشركين وهو يسمع ويرى ما لطف دق وخفا عن الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار.
التفسير :
١- { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير.
تحدثت الآية على تنزيه الله أن يكون له صاحبة أو ولد وبينت أن الإسراء بعبد من عبيد الله اختاره واصطفاه، وأن العبودية كلما تحقق مضمونها من الخضوع والخشوع والإخلاص لله سما صاحبها وزاد قدره وكان الإسراء من أول بيت وضع للناس، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث كانت الرسل تتعبد وحيث اعترفت له الأنبياء بالرسالة، وحيث صعد من هذا المكان الطاهر إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى إلى جنة المأوى، ولم يتحول بصره يمينا ولا شمالا ولا تجاوز الطريق المرسوم، بل كان في سمت النبيين وأمانة الصديقين وسمو المرسلين.
١- المعراج :
المعراج والمصعد والمرقى كلها بمعنى واحد تدل على الصعود والارتقاء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم هو صعوده إلى السماوات العلا، حيث لقي من فضل الله الكثير ورأى من آيات ربه الكبرى.
وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، الإسراء رحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج رحلة سماوية إلى الملإ الأعلى. وقد تحدثت سورة النجم عن المعراج في قوله تعالى : والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى. ( النجم : ١-١٨ ).
٢- تاريخ الإسراء :
وقع الإسراء في السنة الحادية عشرة للبعثة، قبل الهجرة بسنة٤ أو قبلها بسنة وشهرين.
وكان المشركون قد أمعنوا في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وبالغوا في تعذيب المسلمين حتى اضطروهم للهجرة إلى الحبشة مرتين، ولما يئس النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ذهب إلى الطائف وبها قبائل ثقيف فدعاهم للإسلام ورغبهم في الإيمان، وكان يأمل أن يجيبوه إلى دعوته، ولكنهم ردوه أسوأ رد وأرصدوا له الغلمان يرجمونه بالحجارة، حتى دميت قدماه الشريفتان، وقد أغمى على النبي من شدة الإيذاء٥، فلما أفاق وجد نفسه مكذبا في قومه مضطهدا في مكة معذبا في الطائف وحيدا غريبا، فمد يده إلى الله سبحانه قائلا :
( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلا من تكلني، إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخر أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى. عافيتك هي أوسع لي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ).
وقد جاءه جبريل وقال : يا محمد هذا ملك الجبال، وإن الله أمره أن يطيعك في قومك بسبب ما فعلوه بك، فئن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين ( جبلين بمكة )، فعل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا تفعل إني لأرجو أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله. اللهم اهد قومي فهم لا يعلمون.
فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : صدق من سماك الرءوف الرحيم.
وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة حزينا كئيبا ولم يستطع دخولها إلا في جوار المطعم بن عدي.
٣- ما قبل الإسراء :
كانت الفترة التي سبقت الإسراء من أقسى الفترات على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وكان الامتحان قاسيا، يواجه المؤمنين كل يوم بفتنة ومحنة ويستنصر المؤمنون رسول الله قائلين : ألا تعدوا الله لنا، ألا تستنزل غضبه على عدونا، فيجيبهم بأن طريق الدعوة طريق وعر وصعب، وأن على المؤمن أن يتحمل البلاء في ذات الله، ويصبح فيهم :( والله لقد كان يؤتى بالرجل فيمن قبلكم فيشق بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدميه فما يصده ذلك عن دينه، والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده ليتمن الله ذلك الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ).
كان فضل الله على المؤمنين في هذه الفترة المؤلمة ؛ أن أعطى نبيه عليه السلام معجزة إلهية كبرى ؛ ليرى عوالم أخرى وليصعد في السماء ؛ وليرى من فضل الله ونعمه الكثير ثم يعود بالصلاة صلة بين المؤمنين وربهم فهي العون للمؤمن في رحلة الحياة وهي الملجأ والملاذ إلى الله وهي فترة المناجاة والمناداة فيها تسمو الروح وتطهر النفس ويناجي العبد إلها سميعا بصيرا مجيبا.
٤- الإسراء في ضوء العلم :
وردت قصة الإسراء والمعراج في كتب السنة الصحاح وسرت بين الأمة سريانا مستفيضا ووعتها بطون الكتب وتحدث بها الرواة حتى نقلها من أعاظم الرجال خمسة وأربعون صحابيا بطرق شتى وأخذها جيل عن جيل في تواتر وإجماع.
وأمر في جملته خاضع لقدرة الله التي لا تقف أمامها حدود وهو معجزة لرسول الله. والمعجزة : أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعي الرسالة تصديقا له في دعواه، وليس فيما كشفه العلم من قوانين الجذب العام ونظام الأفلاك ومسابح النجوم وعناصر الكواكب ونواميس الحركة وطبقات الهواء وتحديد الحركات ومعايير السرعة- ليس في ذلك كله وما يتصل به- ما يقف أمام الإسراء والمعراج.
فقد ثبت أن نجم المشتري يجري بسرعة ثلاثين ألف ميل في الساعة فيجري تسعة أميال كلما تنفس الإنسان. والمشتري أكبر من أرضنا بألف وأربعمائة مرة. وأن الله الذي جعل هذا الجسم الكثيف الهائل يقطع الأبعاد الشاسعة في لحظات لا يبعد عليه أن يسري بنبيه الكريم من مكة إلى بيت المقدس على مقتضى ناموس لا نعرفه، وإن كان الوجود يشتمل عليه، ما دام العلم قد أثبت سرعة عجيبة لأجرام كثيفة.
وإننا نشهد كل يوم كشفا عن ناموس، وأبطالا لناموس، حتى لقد صرح بعض علماء الغرب بأن أخوف ما نخافه أن ما نفاخر به اليوم من العلوم يصبح بعد مائة سنة باطلا منسوخا.
ويؤثر لرئيس مجمع ترقي العلوم بجامعة كمبردج سنة ١٨٥٤م أن كنه المادة غير معروف، وأن منتهى علمها مبتدأ جهلها.
ونحن إذا طوينا القرون القهقري فرجعنا إلى ما قبل اليوم منذ قرنين اثنين، أفكنا نحسب موجات الأثير وعدسات التيلفزيون والتلستار تنقل صوت الإنسان وصورته إلى الأبعاد الشاسعة والأقطار النائية ؟
إن الإنسان قد أخذه العجب العجاب عند اختراع الطائرة العادية، ثم الطائرة النفاثة والأطباق الطائرة، والأقمار الصناعية.
وكان وصول الإنسان إلى القمر أخيرا خبرا مذهلا أخذ على الناس في كل أصقاع الدنيا لبهم واستولى على اهتمامهم، وذلك كله مما يقرب في ذهن الإنسان سهولة الإسراء والمعراج خاصة وأنهما يقعان في دائرة القدرة الإلهية التي يخضع لها كل شيء في عالم السماوات والأرض والهواء والفضاء، قال تعالى : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ( الزمر : ٦٧ ).
٥-أحاديث الإسراء :
هذه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة ترسم سورة الإسراء وتحكي قصته ومشاهداته بروايات متعددة.
( أ )
قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أتيت بالبراق، وهو دابة بيضاء، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته، فسار بي، حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة في الحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة، فقال : ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل عليه السلام، فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل : قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي الخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا بي، ودعوا لي الخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل. فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن. فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل. فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي الجير.
يقول الله تعالى : ورفعناه مكانا عليا ( مريم : ٥٧ ).
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل. فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي الخير.
ثم عرج بنا على السماء السادسة، فاستفتح جبريل. فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : ق

١ - وهو منصوب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره: أسبح الله سبحانه..
٢ - وهو فعل لازم تعدى بالباء ومصدره الإسراء، ومعنى أسرى وسرى واحد ولكن مصدر أسرى الإسراء ومصدر سرى: السري بوزن الهدى..
٣ ليلا: منصوب على الظرفية وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء؛ لأن التنكير فيه معنى البعضية أي: في بعض الليل، ويظهر ذلك فيقولك: سريت الليل، وسرت ليلا أو أرقت الليل وأرقت ليلا..
٤ - تفسير مقاتل بن سليمان..
٥ البخاري، وقد ورد في أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد ما لقيه من التكذيب فقال لها: لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيته من أهل عبد ياليل بالطائف..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير