سورة الإسراء
سورة بني إسرائيل، وتسمى سورة الإسراء، وسُبْحانَ مكية، غير قوله:
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ إلى قوله: سُلْطاناً نَصِيراً فهذه الآيات الثمانية مدنيات، مائة وإحدى عشر آية، ألف وخمسمائة وتسعة وخمسون كلمة، ستة آلاف وستمائة واثنان
وأربعون حرفا
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أي تبرأ عن الشريك من سير عبده محمدا صلّى الله عليه وسلّم لَيْلًا أي في جزء قليل من الليل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي من حرم مكة من بيت أم هانئ بنت أبي طالب إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أي الأبعد من الأرض وأقرب إلى السماء وهو مسجد بيت المقدس وسمي أقصى، لأنه أبعد المساجد التي تزار ويطلب بها الأجر من المسجد الحرام.
وروي أن عبد الله بن سلام قال في حضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم عند قراءته هذه الآية لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئا ولا ينقص فقال صلّى الله عليه وسلّم: «صدقت» ثم قال: «ويقال له البيت المقدس والزيتون ولا يقال له الحرم»
اه. والحكمة في إسرائه صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس ليحصل له العروج إلى السماء مستويا من غير تعريج لما روي عن كعب أن باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس قال: وهو أقرب من الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل: الحكمة في ذلك أن الشام خيرة الله تعالى من أرضه كما في حديث صحيح فهي أفضل الأرض بعد الحرمين وأول إقليم ظهر فيه ملكه صلّى الله عليه وسلّم.
وروي أن صخرة بيت المقدس من جنة الفردوس. وقيل: الحكمة في ذلك لإظهار الحق على من عاند، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعانده سبيلا إلى الإيضاح فلما ذكر أنه أسرى به إلى بيت المقدس سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا علموا أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن رآها قبل ذلك لما أخبرهم بها حصل التحقق بصدقه فيما ذكر من الإسراء به إلى بيت المقدس في ليلة وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ذلك من خبر المعراج إلى السموات. وقيل: الحكمة في ذلك ليجمع الله له صلّى الله عليه وسلّم بين القبلتين الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ أي المسجد الأقصى من أرض الشام بركة
قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى إلخ. معنى التنزيه والتعجب أشار الله تعالى بذلك إلى أعجب أمر جرى بينه تعالى وبين أفضل خلقه لِنُرِيَهُ أي محمدا صلّى الله عليه وسلّم مِنْ آياتِنا أي بعض عجائب قدرتنا العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر، وثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات، فحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلّى الله عليه وسلّم ممكن، وحينئذ يلزم أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، لكن يبقى التعجب، لأنه حاصل في جميع المعجزات. فانقلاب العصا ثعبانا تبلغ سبعين ألفا من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب، وكذا القول في جميع المعجزات، فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وهو فرع على تسليم أصل النبوة. وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإبطال فكذا هاهنا فثبت أن المعراج ممكن غير ممتنع إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) أي إنه تعالى هو السميع لأقوال محمد صلّى الله عليه وسلّم وأحواله بلا إذن، البصير بأفعاله بلا عين فيكرمه ويقربه بحسب ذلك أي فهو عالم بكونها مهذبة خالصة من شوائب الهوى، مقرونة بالصدق والصفا، متأهلة للقرب والزلفى ويقال: إنه تعالى هو السميع لمقالة قريش البصير بهم.
روي عن ابن عباس أنه صلّى الله عليه وسلّم كان نائما في بيت أم هاني بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ وقال: «مثل لي النبيون فصليت بهم» فلما قام ليخرج إلى المسجد تشبثت هي بثوبه صلّى الله عليه وسلّم فقال مالك: قالت: أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم، قال: «وإن كذبوني». فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره بحديث الإسراء، فقال أبو جهل:
يا معشر كعب بن لؤي بن غالب، هلم فحدّثهم، فمن مصفّق، وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا، وارتد ناس ممن كان آمن به صلّى الله عليه وسلّم وذهب رجال إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر: إن كان قد قال ذلك فهو صادق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني أصدقه على أبعد من ذلك أي كأنه قال: لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا؟ ثم جاء أبو بكر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر الرسول له تلك التفاصيل فكلما ذكر صلّى الله عليه وسلّم شيئا قال له أبو بكر: صدقت. فلما تمم الكلام قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله حقا.
فقال له الرسول: «وأنا أشهد أنك الصدّيق حقا» ويقال: إن هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو خاصة السميع لكلامنا البصير لذاتنا فهو السميع أذنا وقلبا بالإجابة لنا والقبول لأوامرنا البصير بصرا وبصيرة، وتوسيط ضمير الفصل للإشعار باختصاصه صلّى الله عليه وسلّم وحده بهذه الكرامة، ولهذا عقب الله تعالى بقوله هذا:
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة أي لما ذكر الله تعالى تشريف محمد صلّى الله عليه وسلّم بالإسراء ذكر عقبه تشريف موسى عليه السلام بإنزال التوراة عليه مع ما فيه من دعوته عليه السلام
إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعا بين الأمرين المتحدين في المعنى. أي آتيناه التوراة بعد ما أسرينا به إلى الطور. وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ والضمير يعود إلى الكتاب أو إلى موسى أي جعلنا موسى يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق أَلَّا تَتَّخِذُوا فلا ناهية و «أن» بمعنى أي التفسيرية أو زائدة و «تتخذوا» على إضمار القول أي فقلنا: لا تتخذوا وقرأ أبو عمرو «أن لا يتخذوا» بالياء خبرا عن بني إسرائيل فإن مصدرية ولا نافية ولام التعليل مقدرة والمعنى آتينا موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) أي ربا تفوضون إليه أموركم ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ نصب على الاختصاص على قراءة النهي وعلى مفعول «يتخذوا» الأول ومن دوني حال من وكيلا والتقدير:
لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح، من دوني وكيلا فالناس كلهم ذرية نوح، لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين سام وحام ويافث، فالناس كلهم من ذرية أولئك إِنَّهُ أي نوحا كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) أي كثير الشكر في جميع حالاته وفي هذا إعلام بأن إنجاء من معه كان ببركة شكره، وحث للذرية على الاقتداء به، وزجر لهم عن الشرك. والمعنى ولا تشركوا بي، لأن نوحا كان عبدا شكورا وأنتم من ذريته فاقتدوا به كما أن آباءكم اقتدوا به، وإنما يكون العبد شكورا إذا كان موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله تعالى.
روي أن نوحا عليه السلام كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني.
وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه. وإذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجا آثره به. وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أي أخبرناهم في التوراة بحصول الفساد مرتين لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ أي أرض الشام مَرَّتَيْنِ الأولى مخالفة حكم التوراة وحبس أرمياء عليه السلام حين أنذرهم سخط الله تعالى وقتل شعياء نبي الله في الشجرة، وذلك أنه لما مات صدقيا ملكهم تنافسوا في الملك وقتل بعضهم بعضا، وهم لا يسمعون من نبيهم فقال الله تعالى له: «قم في قومك» فلما فرغ مما أوحى الله إليه عدوا عليه ليقتلوه، فهرب، فانفلقت له شجرة، فدخل فيها، وأدركه الشيطان، فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها، فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها والثاني قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام. وَلَتَعْلُنَّ أي لتغلبن الناس بغير الحق عُلُوًّا كَبِيراً (٤) أي مجاوزا للحدود ويقال لكل متجبر: قد علا. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أولى مرتي الفساد بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ أي قتال شَدِيدٍ
عن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هو من أجل
البيوت ابتناه الله تعالى لسليمان بن داود عليهم السلام من ذهب وفضة، ودرّ وياقوت وزمرد» وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخّر له الجن يأتونه بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، وسخّر له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة: فقلت:
يا رسول الله كيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصر، وهو من المجوس، وكان ملكه سبعمائة سنة»
«١». وهو قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ.
فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي فترددوا في أوساط الديار، ودخلوا بيت المقدس، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام. وَكانَ أي ذلك البعث وَعْداً مَفْعُولًا (٥) أي منجزا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أي الدولة عَلَيْهِمْ أي على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنة حين تبتم عن ذنوبكم ورجعتم عن الإفساد بظهور كورش الهمذاني على بختنصر. وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ كثيرة بعد ما نهبت أموالكم وَبَنِينَ بعد ما سبيت أولادكم وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) أي رجالا وعددا، أي ثم إن الله عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس وهو كورش الهمذاني أن تسير إلى المجوس في أرض بابل وأن تستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنفذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان من البيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة إِنْ أَحْسَنْتُمْ بفعل الطاعات أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فإنّ ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات، وَإِنْ أَسَأْتُمْ بفعل المحرمات فَلَها أي فقد أسأتم إلى أنفسكم فإن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي وعد المرة الآخرة بعثنا تطوس بن إسبيانوس الرومي مع جنوده لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي ليجعلوا آثار الحزن ظاهرة في وجوهكم.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة «ليسوء» بالتوحيد أي ليحزن الله، أو الوعد أو البعث وجوهكم، وقرأ الكسائي «لنسوء» بنون العظمة وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي بيت المقدس كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي كما دخل الأعداء فيه في أول مرة وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا أي ليهلكوا البلاد التي علوا عليها تَتْبِيراً (٧) أي إهلاكا، أي فلما رجعت بنو إسرائيل إلى البيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم،
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي