ثم يحتمل قوله: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) على التمثيل، ليس على حقيقة السجود، ولكن على الانقياد لما سمعوا، والخضوع له، والذلة؛ على ما ذكرنا من التمثيل في قوله: (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، ليس على حقيقة الانقلاب على الأعقاب، ولكن على التمثيل للرجوع وترك العمل، فعلى ذلك الأول، وكقوله: (فَنَبَذُوُه وَرَآءَ ظُهُورِهِم)، على ترك العمل به.
ويحتمل: أن يكون السجود كناية عن الصلاة، أي: يصلون لله.
ويحتمل أن يكون على حقيقة السجود، خروا لله سجدًا إذا تتلى عليهم آيات الله وحججه، وهو كسجود سحرة فرعون حين عاينوا آيات اللَّه، وحججه، وهو كقوله: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)، فعلى ذلك يحتمل سجود هَؤُلَاءِ، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
| (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا | (١٠٨) عما قالت الملاحدة فيه. |
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)
فإن كان التأويل من السجود: الصلاة، ففيه دليل لقول أبي حنيفة - رحمه اللَّه -: إن المصلي إذا بكى في صلاته؛ خوفًا على نفسه، وإشفاقًا أو سرورًا على ما أنعم اللَّه عليه وأكرمه به، لم تفسد صلاته، وإذا كان البكاء للتسلي مما حل به من الشدائد والبلايا تفسد صلاته، وأصله: أن البكاء إذا كان لله فهو لا يفسد الصلاة، وإذا كان للدنيا أو لحاجة نفسه فهو يفسد.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا).
أي: يزيد ما يتلى عليهم من القرآن خشوعًا وخضوعًا لهم أو للآيات.
وقال الحسن: الخشوع: هو الخوف الدائم في القلب.
* * *
قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى). صفحة رقم 127
ذكر هذا - واللَّه أعلم - لأن العرب كانت لا تعرف الرسل والكتب المنزلة من السماء ولا يؤمنون بهما، وكانت لا تعرف ذكر الرحمن ولا التسمية به وكذلك غيره من الأسماء، لما لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بألسن الرسل والأنبياء، وإما بالكتب المنزلة من السماء، فإذا لم يؤمنوا بالرسل، ولا عرفوا الكتب، حملهم ذلك على الإنكار والجحود لأسمائه، ولذلك قالوا: (وَمَا الرَّحْمَنُ)، وقوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) أي: يكفرون بذكر الرحمن واسمه؛ لما ذكرنا.
أو أن يكونوا أنكروا اسم الرحمن؛ لما لم يعرفوا أنه مأخوذ من الرحمة، ولو عرفوا: أنه من الرحمة ما أنكروا؛ على ما لم ينكروا " الرَّحِيم "؛ لأنهم عرفوا أن الرحيم مأخوذ من الرحمة، وأما اللَّه فهم يسمون كل معبود إلها، وعلى ذلك سموا الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) و (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، فيسمون اللَّه لما هو المعبود عندهم، ورجعت عبادتهم الأصنام إلى اللَّه؛ حيث زعموا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، كانوا يطلبون بعبادتهم الأصنام القربة إلى اللَّه؛ لذلك أنكروا غيره من الأسماء؛ على أن العرب لم ينكروا لشيء واحد اسمين وأكثر، وعرفوا أن اختلاف الأسماء، وكثرتها لا يوجب اختلاف المسمى بها، ولا يوجب عددا منه، وأن ما قالوا: إنه كان يدعو حتى الآن إلى عبادة واحد، فالساعة يدعو إلى عبادة اثنين وأكثر، إنما قالوا على التعنت والعناد، وإلا قد عرفوا لشيء واحد اسمين وأكثر، لكنهم أنكروا لله ذلك؛ لما ذكرنا؛ تعنتًا منهم، وعنادًا، على هذا يجوز أن - تتأول الآية - واللَّه أعلم.
ثم اختلف في تخصيص ذكره بهذين الاسمين:
قَالَ بَعْضُهُمْ: وجه تخصيصهما؛ لأنهما اسمان مخصوصان له، لا يجوز أن يسمى غيره بهذين الاسمين، وأما غيرهما من الأسماء فإنه يجوز أن يسمى غيره بها.
وقال الحسن: خُصَّ بذكرهما؛ لأنهما اسمان معظمان عند الخلق ما لم يجعل لغيرهما من الأسماء من التعظيم ما جعل لهذين.
وقال أبو بكر الأصم: خص بذكر هذين؛ لأن غيرهما من الأسماء أسماء أخذت عن صفاته، وأما هذان فهما ليسا أخذًا عن صفته.
وقال الزجاج: الرحمن: هو مأخوذ من الرحمة إلا أنه النهاية في الرحمة؛ لأنه " فعلان "، وهو ما يقال: غضبان، إذا انتهى غضبه غايته، وإلا قوله: " الرحيم " و " الرحمن " كلاهما من الرحمة إلا أن الرحمن " فعلان " والفعلان هو النهاية من وصف الرحمة؛ لما ذكرنا، وغيره من الخلائق لا يبلغون في الرحمة ذلك المبلغ؛ لذلك خص بذكر " الرحمن " دون " الرحيم ".
وهذا كله واحد ليس فيه خلاف، وأصله ما ذكرنا لا يشرك غيره في هذين، ويجوز في غيره.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) أي: أسماؤه التي يسمى بها كلها الحسنى، ليس شيء منها قبيحًا.
أو أن يكون قوله: (فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) أي: كل أعمال صالحة، وأمور حسنة له، أي: تنسب إليه، وتضاف، ولا يجوز أن يضاف وينسب ما قبح منها، وسمج، وأصله: ما ذكرنا أنه ينسب إليه كل حسن، وكل صالح على الإشارة، ولا يجوز أن ينسب إليه كل قبيح سمج على الإشارة، والتسمية به، وهو ما يذكر: " التحيات لله، والصلوات والطيبات... " إلى آخره، ينسب إليه كل طيب، وكل حسن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: له أسماء حسنة يسمى بها.
والثاني: أن كل حسن يسمى به غيره فهو راجع إليه في الحقيقة، وهو مسمى به، وكل حسن منسوب إليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)، اختلف أهل التأويل في ذلك:
قال: قوله: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) أي: لا تجعل صلاتك في مكان غيظًا للمشركين (وَلَا تُخَافِتْ بِهَا)، أي: ولا تسر عن أصحابك فتخفى عنهم، لكن ابتغ بين ذلك سبيلًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تجعل كل صلواتك في جماعة، ولا تخافت بها، ولا كلها في غير
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم