ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

ولما أمر بما يقربنا إليه نهى عما يبعدنا عنه، فقال :
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً * وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً
قلت : خشية : مفعول من أجله ؛ لأن الخشية قلبية، بخلاف الإملاق، فإنه حسي ؛ فَجُرَّ بمن في سورة الأنعام١. وهذه الآية في أغنياء العرب، الذين كانوا يخشون وقوع الفقر، وما في " الأنعام " نزلت في فقرائهم، الذين كان الفقر واقعًا بهم، ولذلك قدَّم هناك كاف الخطاب، وأخَّره هنا، فتأمله. و " خِطًا " يقال : خطئ خطأ، كأثم إثمًا. وقرأ ابن عامر :" خَطأً "، بفتحتين، فهو إما اسم مصدر أخطأ، أو لغة في خطئ، كمِثل ومَثل، وحِذر وحَذر. وقرأ ابن كثير :" خِطاء " ؛ بالمد، إما لغة، أو مصدر خاطأ. انظر البيضاوي.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا تقتلوا أولادكم مخافة الفاقة المستقبلة، وقد كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر، فنهاهم، عن ذلك، وضمن لهم أرزاقهم، فقال : نحن نرزقهم وإِياكم إِنَّ قتلهم كان خِطأً ؛ إثمًا كبيرًا ؛ لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم ؛ بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإنَّ الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تُخرجكم عن حضرة الحق ؛ فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرَّم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قُتل بذلك مظلومًا ؛ بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانًا، أي : تسلطًا عليها ؛ بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يُسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل :

واحْتَلْ عَلَى النَّفْسِ فرُبَّ حِيلَهْ أَنْفَعُ فِي النُّصْرِة منْ قَبِيلهْ
إنه كان منصورًا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام١ وغيرها. وبالله التوفيق.

١ انظر تفسير الآية ١٥١ من سورة الأنعام..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير