حفظ النفوس
بحفظ النسل و حفظ الفرج و عدم العدوان
" و لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم و إياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا.
ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا.
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل، إنه كان منصورا ".
( سورة الإسراء – الآية ٣٢، ٣٣، ٣٤ ).
الأرواح الإنسانية :
تمهيد :
إن الأرواح الإنسانية كريمة الجوهر ؛ لأنها من عالم النور ؛ فقد خلقت من نفخ الملك. كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيح :
" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح.... "
والملائكة – كما في الصحيح – خلقوا من النور، و أنها كريمة الخلقة أيضا لأنها فطرت على الكمال.
ولذا أضافها١ الله تعالى إلى نفسه في معرض الامتنان، في قوله تعالى :" ثم سواه ونفخ فيه من روحه ".
دع ما يطرأ عليها بعد اتصالها بالبدن من تزكية ترقى بها في معارج الكمال، أو تدسية تنحط بها إلى أسفل سافلين٢
وبعد ارتباطها بالبدن.. يتكون منهما المخلوق العظيم العجيب المسمى بالإنسان الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض ليعمرها، ويستثمرها ويعبرها إلى دار الكمال الحق، والحياة الدائمة الأبدية.
هذه النفوس البشرية جاءت الشرائع السماوية كلها بإيجاب حفظها، فكان حفظها أصلا قطعيا، وكلية عامة في الدين. وجاءت هذه الآيات في تقرير هذا الحفظ من وجوه ثلاثة سنتكلم عليها واحدا.
حفظ النسل :
" ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم و إياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا ".
الموءودة في الجاهلية
العرب في زمان البعثة هم المخاطبون قبل الناس بالقرآن، وهم المأمورون أول الناس – لعموم الرسالة – بالبلاغ، وعلى اهتدائهم كان يتوقف اهتداء غيرهم ؛ فمن الحكمة توجه القصد إلى تطهيرهم من مفاسدهم.
و قد كانوا في الجاهلية منهم من يقتل البنات خشية الفقر، وليوفر ما ينفق عليهم لينفقه على نفسه وبيته و بنيه، ويرى النفقة عليهن ضائعة ؛ لأنه لا ينتظر منهن سعيا للكسب و لا نصرة على العدو. و هذه هي الموءودة المذكورة في قوله تعالى :" و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " ٣.
فضلاء أحيوا الموءودة على أنه قد كان من ساداتهم من يحيي الموءودة فيشتريها من عند أبيها، و ينجيها من القتل : كزيد بن نفيل القرشي، أبي سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وصعصعة بن ناجية التميمي الصحابي جد الفرزدق الشاعر المشهور. وقد كان قتل البنات شائعا فيهم مستفيضا في قبائل معدودة.
و منهم – كما في لسان العرب – من كان يئد البنين عند المجاعة. فجاء النهي عن القتل في الآية متعلقا بلفظ الولد شاملا للبنات والبنين، ومعه السبب الذي كان يحملهم على القتل، و هو خشية الإملاق أي خوف الفقر والإقتار.
( والمملق ) هو الذي خرج ماله من يده فلم يبق بها شيء. و من مادته الملقة وهي الصفاة الملساء. فنهوا عن هذا القتل الفظيع مع ذكر سببه، لتصوير حالتهم بوجه تام، وليتخلص من كر السبب إلى إبطاله ورده.
معالجة هذه الرذيلة بإبطال سببها، و عظيم قبحها : وسوء عاقبتها :
أبطل تعالى خوفهم من الفقر بقوله :" نحن نرزقهم و إياكم " ؛ فأخبر أن رزق الجميع عليه، وأنه متكفل برزق خلقه بما يسر لهم من أسباب جلية أو خفية، لا فرق في ذلك بين الذكر و الأنثى، والكبير والصغير.
كما انه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، كما في الآية السابقة، فهما مرتبطان بهذه المناسبة.
و من ضلالهم : أنهم نظروا إلى قوة الكبير فحسبوه مرزقا من نفسه، فهداهم بقوله :" وإياكم " إلى أن الكبار مرزوقون من الله بتقديره و تيسيره٤.
و لما كان لا فرق بين الكبير والصغير في الحاجة إلى لطف الله، وضمان الرزق من الله، فلا وجه لخوف الفقر من وجود الأولاد و كثرتهم، لأنه ما من واحد منهم إلا ورزقه مضمون من خالقه جل جلاله.
و بين تعالى فظاعة هذا القتل بقوله :" أولادكم " بإضافة الأولاد إليهم، فإن الأولاد أفلاذ الأكباد، وقطعة من لحم المرء ودمه، ونسخة من ذاته، فمحبتهم فطرة، والعطف التام عليهم خلقة، فكيف يكون قبح وفظاعة فعل من بلغ بهم القتل
و أي خير يرجى من قاتل ولده لغيره من الناس، بعدما جنى أفظع الجنايات على ألصق الناس به ؟ ؟
و بين تعالى سوء العاقبة لهذا القتل بقوله :" إن قتلهم كان خطئا كبيرا " ؛ أي إثما كبيرا لما فيه من قتل النفس، وقطع النسل، وهلاك الجنس، وخراب العمران، و سوء الظن بالله، وعدم خشيته، و عدم الشفقة على خلقه.
يقال خطىء يخطأ إذا قصد الفعل القبيح ففعله. و أخطأ يخطىء خطئا إذا قصد شيئا فأصاب غيره.
ومن مثل وعيد الآية ما ثبت في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه :" أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم سئل : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن
تجعل لله ندا و هو خلقك. قال : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ".
عموم حكم الآية و ترغيبها :
العبرة بعموم٥ اللفظ لا بخصوص السبب، والحكم يعم بعموم اللفظ. كما أن ذكر سبب القتل في الآية لا يقتضي التخصيص، لأنه ذكر لتصوير الحال الذي كانوا عليه، فالقتل حرام لأي سبب كان.
فعل الجاهلية باق و هذا الفعل الذي كان في الجاهلية على الوجه المتقدم، و هو فعل مؤد إلى قطع النسل وخراب العمران – لا تسلم منه الأمم الأخرى في مختلف الأزمنة و البلدان : إما بالقتل بعد الولادة.
و إما بإفساد الحمل بعد التخليق، وهو حرام باتفاق.
و قد يكون الامتناع من التزويج.
أو بعد الإنزال في الفرج و هو العزل.
و الآية كما نهت عن القتل، قد رغبت في النسل بذكر ضمان الرزق.
فعلى المؤمن أن يسعى لذلك من طريقه المشروع، و أن يتلقى ما يعطيه الله من نسل ابن أو بنت، بفرج، لنعمة الله و ثقة برزق الله، و إيمان بوعده.
٢ " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ".
.
٣ سورة التكوير، الآيتان ٨، ٩..
٤ هذه نكتة لطيفة ذكرها الإمام بجانب هذا التعبير : نحن نرزقهم و إياكم. و أيضا لأن خوف الفقر قد لا يكون فقرا، و إنما هو خوف فقط، وقد يكونون في الحقيقة أغنياء، لذا جاء التعبير في عجز الآية مناسبا لصدرها. و هذا بخلاف آية الأنعام :" و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و إياهم ". فالفقر هنا متحقق عند الآباء، ولذا قال :" من إملاق "، ثم جاء عجز الآية مناسبا للآية، بأنكم مرزوقون و إياهم، فجاء النهي عن قتلهم، ورزقكم جميعا في السماء وما توعدون.
.
٥ العموم..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي