الطور الأخير لكل أمة و عاقبته
" وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة، أو معذبوها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا ".
( سورة الإسراء الآية ٥٩ )
تمهيد :
أطوار الأمم :
الأمم كالأفراد، تمر عليها ثلاثة أطوار : طور الشباب، وطور الكهولة، وطور الهرم.
فيشمل الطور الأول.
نشأتها إلى استجماعها قوتها ونشاطها، مستعدة للكفاح والتقدم في ميدان الحياة.
و يشمل الطور الثاني :
ابتداء أخذها في التقدم والانتشار، و سعة النفوذ، وقوة السلطان إلى استكمالها قوتها، وبلوغها غاية ما كان لها أن تبلغه من ذلك، بما كان فيها من مواهب، وما كان لها من استعداد، وما لديها من أسباب.
و يشمل الطور الثالث.
إبداءها في التقهقر والضعف و الانحلال، إلى أن يحل بها الفناء والاضمحلال، إما بانقراضها من عالم الوجود، وإما باندراسها في عالم السيادة والاستقلال.
وما من أمة إلا ويجري عليها هذا القانون العام، وإن اختلفت أطوارها في الطول والقصر، كما تختلف الأعمار.
من معجزات القرآن :
هذه السنة الكونية التي أجرى الله عليها حياة الأمم في هذه الدنيا، أشار إليها في كتابه العزيز في غير ما آية :
فذكر أعمار الأمم، مقدرة محددة بآجالها في مثل قوله تعالى :
" لكل أمة اجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون ".
وذكر إنشاء الأمم على إثر الهالكين في مثل قوله تعالى :
" وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة و أنشأنا بعدها قوما آخرين١ ".
وذكر طور شباب الأمة ودخولها معترك الحياة في مثل قوله تعالى :
" عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ".
أطوار بني إسرائيل :
فإن بني إسرائيل ما استخلفوا في الأرض حتى قووا واشتدوا وتكونت فيهم أخلاق الشجاعة، و النجدة و الأنفة بعد خروجهم من التيه.
وذلك هو الطور الأول طور الشباب للأمة الإسرائيلية.
وذكر الطور الثاني وهو طور الكهولة واستكمال القوة، و حسن الحال، ورغد العيش في مثل قوله تعالى :" و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان٢ ". وذكر الطور الثالث طور الضعف والانحلال في مثل قوله تعالى :
" وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا٣ ".
سبب الهلاك :
و إهلاكهم يكون بعد إسباغ النعمة و إقامة الحجة عليهم، وتمكن الفساد فيهم وتكاثر الظلم منهم. فإهلاكهم هو نهاية الطور الثالث من أطوار الأمم الثلاث.
و إلى خاتمة الطور الثالث وعاقبته، جاء البيان في قوله تعالى :" وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ".
الألفاظ :
( القرية ) المساكن المجتمعة، ومادة ( ق ر ى ) تدل على الجمع، فتصدق على القرية الصغيرة والمدينة الكبرى. وتطلق القرية مجازا على السكان إطلاقا لاسم المحل على الحال ومنه هذا.
( والإهلاك ) الإبادة والإفناء بالاستئصال كما فعل بعاد وثمود.
( وقبل يوم القيامة ) أي في الدنيا.
و ( العذاب الشديد ) كأمراض الأبدان وفساد القلوب، وانحطاط الأخلاق، وافتراق الكلمة، وتسليط الظلام : كما أرسل على بني إسرائيل عبادا أولى بأس شديد، فساءوا وجوههم، وجاسوا خلال ديارهم. وكتسليط أهل الحق على أهل الباطل، وكالجدب والقحط و جوائح الأرض، وجوائح السماء.
و ( في الكتاب ) أي اللوح المحفوظ٤. و " مسطورا " أي مكتوبا أسطارا مبينة.
التراكيب :
( إن ) نافية. و " من " زيدت لاستغراق الجنس وتأكيد العموم.
و ( إلا ) أفادت مع إن النافية حصر كل قرية في أحد الأمرين من الهلاك والعذاب الشديد، ليعلم أن لا نجاة لكل قرية من أحدهما قطعا.
و ( أو ) تفيد أحد الشيئين المذكورين على الابهام وعدم التعيين.
و ( ذلك ) إشارة المذكور من الهلاك والتعذيب.
المعنى :
يقول تعالى : ما من قرية على وجه الأرض إلا و لا بد أن يحل بها منا هلاك و فناء يبيدها ويفنيها، أو عذاب شديد لا يفنيها، ولكنه يذيقها أنواع الآلام و شديد النكال.
كان هذا قضاء سابقا في علمنا، ماضيا في إرادتنا، مكتوبا أسطارا في اللوح المحفوظ.
الأحكام :
الأحكام الشرعية والقدرية
أحكام الله تعالى قسمان :
أحكام شرعية، وهي التي فيها بيان ما شرعه لخلقه مما فيه انتظام أمرهم وحصول سعادتهم إذا ساور عليه.
و أحكام قدرية و هي التي فيها بيان تصرفه في خلقه عز وجل وفق ما سبق في علمه و ما سبق في إرادته.
و الأحكام الشرعية تقع من العباد مخالفتها، فيتخلف مقتضاها من الفعل أو الترك.
و الأحكام القدرية لا تختلف أصلا، و لا يخرج المخلوقات عن مقتضاها قطعا.
و في هذه الآية حكم من أحكام القدرية، وهو إن كل قرية لابد أن يصيبها أحد الأمرين المذكورين بما سبق من علمه، وما مضى من إرادته، فلا يتخلف هذا الحكم، ولا تخرج عنه قرية.
إيضاح وتعليل : الله حكم عدل حكيم خبير ؛ فما من حكم من أحكامه الشرعية إلا وله حكمته، و ما من حكم من أحكامه القدرية٥ إلا وله سببه وعلته.
لا لوجوب أو إيجاب عليه، بل بمحض مشيئته، ومقتضى عدله وحكمته٦
سبب الهلاك :
و قد قضى على كل قرية بهذه العاقبة من الهلاك والعذاب الشديد في هذه الآية، و بين في غيرها سبب استحقاقها لهما فقال تعالى :
" وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا " ٧.
و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون " ٨.
" وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ".
" وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ".
" و كأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ".
" وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون "..
فأفادت هذه الآيات أن سبب الهلاك والعذاب هو الظلم، والفساد والعتو، والتمرد، عن أمر الله ورسله، والكفر بأنعم الله.
" وما ربك بظلام للعبيد "
توجيه :
سر العناية بالطور الأخير
الطور الأخير هو الذي ذكر في الآيات كثيرا دون الطور الأول والثاني.
ووجه ذلك :
أنه هو الطور الذي ينتشر فيه الفساد، و يعظم فيه الظلم، و ينتهي فيه الإعذار للأمة، ويحل فيها أجلها، فينزل بها ما تستحقه من هلاك أو عذاب فكرر ذكر هذا الطور لزيادة التحذير منه، والتخويف من سوء عاقبته، و الحث على تدارك الأمر فيه بالإقلاع عن الظلم والفساد، والرجوع إلى طاعة الله و إعمال يد الإصلاح في جميع الشؤون فيرتفع العذاب بزوال ما كان بنزوله من أسباب.
استنتاج وتطبيق :
العلاج ممكن :
القرى التي قضى عليها بالهلاك والاستئصال هذه، قد انتهى أمرها بالموت، وفاتت عن العلاج مثل عاد وثمود من الأمم البائدة.
و أما القرى التي قضى عليها بالعذاب الشديد، فهذه لا تزال بقيد الحياة فتداركها ممكن، وعلاجها متيسر :
مثل الأمم الإسلامية الحاضرة : فمما لا شك إن فينا لظلما، و عتوا وفسادا و كفرا بأنعم الله، و إننا من جراء ذلك لفي عذاب شديد.
و لا نعني بهذا أن الأمم الإسلامية مخصوصة بهذا، بل مثلها و أقوى منها في أسباب العذاب و الهلاك غيرها من أمم الأرض. و إن لهم لقسطهم من العذاب الشديد. و إذا لم يأت المقدار الماثل من الهلاك أو العذاب لما عندهم من أسبابها ؛ فلأنه لكل أمة أجل، ولما يأت ذلك الأجل بعد ؛ فإذا جاء لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
إرشاد واستنهاض :
علاجنا اليوم :
قد ربط الله تعالى بين الأسباب و مسببها خلقا وقدرا بمشيئته و حكمته، لنهتدي بالأسباب إلى مسبباتها، و نجتنبها باجتناب أسبابها.
و قد عرفنا في الآيات المتقدمة بأسباب الهلاك والعذاب لنتقي تلك الأسباب فنسلم، أو نقلع عنها فننجو ؛ فإن بطلان السبب يقتضي بطلان المسبب.
وقد ذكر لنا في كتابه أمة أقلعت عن سبب العذاب فارتفع عنها بعدما كان ينزل بها، ليؤكد لنا أن الإقلاع عن السبب ينجي من المسبب، فقال تعالى :
إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا و متعناهم إلى حين٩ ".
فمبادرتهم للإيمان، وإقلاعهم عن الكفر. كشف عنهم العذاب.
و أرشدنا في ضمن هذا العلاج الناجع في كشف العذاب، وإبطال أسبابه، وهو الإيمان.
كما أرشدنا إليه أيضا في قوله تعالى قبل هذا :
" فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها١٠ " أي نجاها من العذاب.
و ذكر قوم يونس دليلا على ذلك.
و أرشدنا إليها أيضا في قوله تعالى :
" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض١١ "، فالإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد لنا من حالتنا لأننا إذا التزمناهما نكون قد أقلعنا عن أسباب العذاب.
واجب الأفراد والجماعة :
و لا ننهض بهذا العلاج العظيم إلا إذا قمنا متعاونين أفرادا و جماعات، فجعل كل واحد ذلك نصب عينيه، وبدأ به في نفسه، ثم فيمن يليه ثم فيمن يليه من عشيرته وقومه، ثم جميع أهل ملته.
فمن جعل هذا من همه، وأعطاه ما قدر عليه من سعيه، كان خليقا أن يصل إلى غايته أو يقرب منها١٢.
صفحة جديدة :
و لنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك، و أخلاقنا من الفساد، و أعمالنا من المخالفات.
ولنستشعر أخوة الإيمان التي تجعلنا كجسد واحد و لنشرع في ذلك، غير محتقرين لأنفسنا، ولا قانطين من رحمة ربنا١٣. و لا مستقلين لما نزيله كل يوم من فسادنا، فبدوام السعي واستمراره، يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله.
دليل بدئنا :
و ليكن دليلنا في ذلك و إمامنا كتاب ربنا، وسنة نبينا، و سيرة صالح سلفنا، ففي ذلك كله ما يعرفنا بالحق، و يبصرنا في العلم، و يفقهنا في الدين، و يهدينا إلى الأخذ بأسباب القوة والعز والسيادة العادلة في الدنيا، ونيل السعادة الكبرى في الأخرى. وليس هذا عن العالمين ببعيد، وما هو على الله بعزيز.
رجاء وتفاؤل :
إن المطلع على أحوال الأمم الإسلامية يعلم أنها قد شعرت بالداء، وأحست بالعذاب، وأخذت في العلاج، وإن ذلك، وإن كان يبدوا – اليوم – قليلا، لكنه – بما يحوطه من عناية الله، وما يبذل فيه من جهود المصلحين – سيكون بإذن الله كثيرا.
و عسى أن يكون في ذلك خير لأمم الأرض أجمعين١٤.
حقق الله تعالى الآمال وسدد الأعمال، بلطف منه وتيسير، إنه نعم المولى ونعم النصير.
.
٢ سورة النحل، الآية ١١٢،.
٣ سورة الكهف، الآية ٥٩.
.
٤ اللوح المحفوظ والعرس والكرسي والقلم... كل ذلك من العالم الغيبي اخبرنا به القرآن الكريم والسنة النبوية، أما ماهيته وتحديده... فيفوض إلى علم الله تعالى، ونصدق به فقط..
٥ أي بقضائه وقدره..
٦ " فعال لما يريد " " وربك يخلق ما يشاء ويختار "..
٧ سورة الكهف : ٥٩.
٨ سورة هود : ١١٧.
٩ سورة يونس، الآية ٩٨ فأمة محمد و أمة يونس عليهما الصلاة والسلام أخر عذاب العاصين منهم إلى يوم القيامة. وفي شأن المسلمين أيضا يقول الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم، وما كان الله ليعذبهم وهم مستغفرون" وقد مات النبي صلى الله عليه و آله و سلم و لم يبق بيننا بجسده، فلم يبق لنا إلا الاستغفار..
١٠ صدر الآية السابقة..
١١ سورة الأعراف ٩٦..
١٢ قال الشاعر : أحرى بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.
١٣ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون..
١٤ دعوات وأمنيات إنسانية للإنسانية جمعاء، من الإمام، وذلك من أدب الإسلام، ورحمته الشاملة، و كم كان قلب الشيخ يفرح، وأساريره تتهلل حين يرى بادرة لإصلاح و بريقا لخير، و مقاومة لشر وفساد..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي