ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

وإِن كادوا أي : كاد أهل مكة لَيَسْتفزُّونك ؛ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم من الأرض التي أنت فيها. وهي : أرض مكة، ليُخرِجوك منها وإِذًا لا يلبثون خِلافَكَ إِلاَّ قليلاً ؛ إلا زمنًا قليلاً. وقد كان كذلك، فإنهم أُهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل : نزلت في اليهود ؛ فإنهم حَسَدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا : الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيًا فالحَقْ بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم فخرج من مرحلة، فَنَزَلت١، فرَجَعَ صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ؛ وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات، وإذًا لاتخذوك خليلاً. ولولا أن ثبتناك ؛ بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركنُ إليهم شيئًا قليلاً، وهي : خواطر تخطر ولا تثبت. إذًا لأذقناك ضعف الحياة، وهو : الذل والحرص والطمع. وضعف الممات، وهو : السقوط عن مقام المقربين، أهل الرَّوح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية ؛ من العز والجاه، وإذًا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلاً ؛ لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قلَّ مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سُنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.



١ أخرجه ابن كثير في تفسيره ٣/٥٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير