الماءُ يَنْبَعُ ويَنْبُعُ نَبْعًا ونُبوعًا ونَبْعَانًا، ذكره الفراء (١) والليث (٢).
قال أهل المعاني: وإنما لم يجابوا إلى ما سألوا؛ لأنهم طلبوا ذلك دليلاً على صدقه، وقد أتاهم من القرآن بما يدل على صدقه، فليس لهم أن يطلبوا دليلاً آخر إلا بعد القدح في الدليل الأول بما يبين أنه شبهة لا يدل على صحة المعنى، فأما طلبهم الدليل على جهة الإنكار الأول فهو سفه وجهل لا يستحقون أن يجابوا إليه.
٩١ - قوله تعالى: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ هذا أيضًا كان فيما اقترحوا عليه، وقوله: فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ عطف على قوله: أَوْ تَكُونَ.
٩٢ - أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ، هذا كان فيما اقترح عليه المشركون، قالوا له: فأسقط السماء علينا، قال ابن عباس: يعنون العذاب، وهو كما زعمت (٣). قال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي، فأسقط السماء علينا (٤). وقال آخرون: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل (٥)، وكذا ذكر المفسرون بالقصة (٦).
وقوله تعالى: كِسَفًا فيه وجهان من القراءة؛ جزم السين (٧)
(٢) ورد في "تهذيب اللغة" (نبع) ٤/ ٣٤٩٧، بنصه تقريبًا.
(٣) ورد في تفسيره "الوسيط" ٢/ ٥٤٨ بنصه تقريبًا؛ بدون ضمير الفصل وهو.
(٤) انظر: "تفسير الرازي" ٢١/ ٥٧.
(٥) انظر: "تفسير الرازي" ٢١/ ٥٧، و"أبي حيان" ٦/ ٧٩.
(٦) عند آية [٩٠].
(٧) قرأ بها: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي، انظر: "السبعة" ص ٣٨٥، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٨٢، و"علل القراءات" ١/ ٣٢٩، و"الحجة للقراء" ٥/ ١١٩، و"المبسوط في القراءات" ص ٢٣١، و"التيسير" ص ١٤١، و"النشر" ٢/ ٣٠٩.
وفتحها (١).
قال أبو زيد: يقال: كَسَفْتُ الثوبَ أكْسِفُه كَسْفُا، إذا قَطَّعته قِطَعًا (٢)
وقال الليث: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوب (٣)، والكِسْفَة: القطعة.
قال الفراء: وسمعت أعرابيًّا يقول لبزاز: أعطني كِسْفة، يريد قطعة كقولك: خِرْقَة (٤).
روى عمرو عن أبيه: يقال لخِرَق القميص قبل أن يُؤَلَّفَ: الكِسَف، واحدها كِسْفَة (٥)، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوهًا، أحدها: أن يكون جمع كِسْفة، على حد دِمْنَةٍ ودِمَن (٦)، وسِدْرة، وسِدَر هذا قول الفراء (٧)، وقال الكسائي: من وَحَّد خفف (٨).
(٢) ورد في "الحجة للقراء" ٥/ ١١٩، بنصه، و"تفسير الطوسي" ٦/ ٥١٨، بنصه.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (كسف) ٤/ ٣١٤٣ بنصه. (العُرْقُوب): هو العصبُ الغليظُ المُوَتَّر فوق عقبِ الإنسان، أو خلف الكعبين. انظر: "اللسان" (عرقب) ٥/ ٢٩٠٩، "متن اللغة" ٤/ ٨٣.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٣١ بتصرف يسير، وورد في "تهذيب اللغة" (كسف) ٤/ ٣١٤٣، بنصه.
(٥) ورد في "تهذيب اللغة " (كسف) ٤/ ٣١٤٣، بتصرف يسير.
(٦) الدِّمنة: آثار الناس وما سَوَّدوا، وقيل: ما سوَّدوا من آثار البعر، والجمع: دمن، وهو البعر، ودمَّنت الماشيةُ المكانَ: بعَرت فيه وبالت. انظر: "اللسان" (دمن) ٣/ ١٤٢٨.
(٧) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٣١، بنحوه، ورد في "تهذيب اللغة" (كسف) ٤/ ٣١٤٣، بنحوه، وما في التهذيب أقرب.
(٨) لم أقف عليه. قال القرطبي: قال الأخفش: من قرأ: كسْفًا من السماء، جعله، واحداً، ومن قرأ: كِسَفًا، جعله جمعاً. "تفسير القرطبي" ١٠/ ٣٣٠.
قال أبو علي: إذا كان المصدرُ الكسْفَ، فالكسْفُ (١): الشيء المقطوع؛ كما يقال في الطَّحْن والطِّحْن، والسَقي والسِّقي (٢)، ويؤكد هذا قوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا [الطور: ٤٤]، وذكر الزجاج وجهاً ثالثًا، فقال: من قرأ كِسْفًا فكأنه قال: أو تسقطها طبَقًا علينا، واشتقاقه من كَسَفْتُ الشيء إذا غَطَّيته (٣)، ومن فتح السين فهو جمع كِسْفَةٍ مثل قِطْعَةٍ وقِطَعٍ، وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نصب على الحال في القراءتين جميعًا، كأنه قال: أو تسقط السماء علينا مقطعة (٤).
قال ابن عباس في قوله: كِسَفًا: قطعًا (٥)
وقال مجاهد: السماء جميعًا (٦)، وهذا على قراءة من سَكَّن السين، ومعناه كما قال الزجاج: طبقًا، أو كما قال أبو علي: قطعة واحدة.
وقوله تعالى: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ذكروا في هذا ثلاثة أقوال: قال ابن عباس في رواية الضحاك: عيانًا (٧)، وهو قول قتادة وابن
(٢) "الحجة للقراء" ٥/ ١١٩، بنصه.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٥٩، بنصه.
(٤) ورد في "الحجة للقراء" ٥/ ١٢٠، بنحوه
(٥) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٦١ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، ومن طريق العوفي (ضعيفة)، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" ٣/ ٢٧٣، و"الطوسي" ٦/ ٥١٩.
(٦) "تفسير مجاهد" ١/ ٣٧٠، وأخرجه "الطبري" ١٥/ ١٦١ بنصه من طريقين، انظر: "تفسير ابن عطية" ٩/ ١٩٦
(٧) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٨٧، أورده السيوطي "الدر المنثور" ٤/ ٣٦٧ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
جريج (١)، والمعنى: تأتي بهم حتى نراهم مقابلة، والعرب تُجري القبيل في هذا المعنى مجرى المصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وذكرنا هذا عند قوله: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [الأنعام: ١١١]، وهذا القول منهم يدل على جهلهم بصفة الله؛ حيث لم يعلموا أنه لا يجوز على الله المقابلة.
القول الثاني: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: يريد فوجًا بعد فوج (٢).
قال الليث: وكل جيل من الجن والناس قبيل (٣)، ذكرنا ذلك في قوله: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف: ٢٧]، وهذا قول مجاهد (٤).
القول الثالث: أن قبيلًا معناه هاهنا ضامنًا وكفيلاً، روي ذلك عن ابن عباس (٥)، وذكره الزجاج وابن قتيبة (٦).
قال الزجاج: يقال: قَبُلْتُ به أقْبُل، كقولك: كَفُلت أكفُل (٧)، وهو
(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢١/ ٥٨.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (قبل) ٣/ ٢٨٧٦، بنصه.
(٤) "تفسير مجاهد" ١/ ٣٧٠ بمعناه، أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٦٢ بمعناه من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٢١ أبمعناه، انظر: "زاد المسير" ٥/ ٨٨.
(٥) ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٢١ أبلفظه، انظر: "زاد المسير" ٥/ ٨٨، و"القرطبي" ١٠/ ٣٣١.
(٦) "الغريب" لابن قتيبة ١/ ٢٦٢، بنحوه.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٥٩، بنصه تقريبًا.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي