إيتاء يحيى عليه السلام النبوة والحكم صبيا
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
الإعراب:
خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ الباء في موضع الحال، أي خذ الكتاب مجدّا مجتهدا.
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا الْحُكْمَ مفعول ثان لآتيناه، وصَبِيًّا حال من هاء آتَيْناهُ الذي هو المفعول الأول.
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا معطوف منصوب على الْحُكْمَ.
المفردات اللغوية:
يا يَحْيى على تقدير القول، أي قلنا، ويحيى هو ابن خالة عيسى عليهما السلام. خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ واجتهاد. وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أي أعطيناه النبوة، أو الحكمة وفهم التوراة، أو الفقه في الدين، وذلك في حال الصبا، قيل: كان ابن ثلاث سنين، وعن ابن عباس في حديث مرفوع: ابن سبع سنين.
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة وعطفا على الناس من عندنا. وَزَكاةً تطهيرا من الذنوب والآثام. وَكانَ تَقِيًّا مطيعا لما أمر به، متجنبا المعاصي وكل ما نهي عنه، فلم يفعل خطيئة ولا هم بها. وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
أي كثير البرّ والإحسان إليهما. جَبَّاراً
متكبرا متعاليا عن الحق.
عَصِيًّا
عاصيا أمر ربه. وَسَلامٌ عَلَيْهِ
أي أمان من الله عليه. يَوْمَ وُلِدَ، وَيَوْمَ يَمُوتُ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
أي أنه آمن في هذه الأيام المخوفة من عذاب النار وهول القيامة ومكدرات الحياة الدنيوية، فهو آمن حين الولادة من مؤثرات الشيطان، وحين الموت من عذاب القبر، وفي القيامة من عذاب جهنم.
قصة يحيى عليه السلام:
ذكر يحيى خمس مرات في القرآن الكريم، في آل عمران [٣٩]، وفي الأنعام [٨٥]، وفي مريم [٧، ١٢]، وفي الأنبياء [٩٠]، وكان يحيى تقيا صالحا منذ صباه، وكان عالما بارعا في الشريعة الموسوية ومرجعا في أحكامها، وصار نبيا وهو صبي: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمّدهم أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد أخذ النصارى طريقته، ويسمونه «يوحنا المعمدان».
وكان لأحد حكام فلسطين «هيرودس» بنت أخ تسمى «هيروديا» بارعة الجمال، أراد عمها هذا أن يتزوجها، وكانت البنت وأمها تريدان ذلك، فلم يوافق يحيى عليه السلام على هذا الزواج لأنه محرم، فرقصت الفتاة أمام عمها فأعجب بها، وطلب إليها ما تتمناه ليعمله لها، فطلبت منه بمؤامرة أمها رأس يحيى بن زكريا، ففعل وقتل يحيى. ولما بلغ المسيح أن يحيى قتل، جهر بدعوته، وقام في الناس واعظا «١».
التفسير والبيان:
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ في الكلام محذوف تقديره: أنه ولد لزكريا المولود، ووجد الغلام المبشر به، وهو يحيى عليه السلام، فخاطبه الله تعالى بعد أن بلغ المبلغ الذي يخاطب به، فقال له: يا يحيى خذ التوراة المتدارسة والتي يحكم بها النبيون، والتي هي نعمة على بني إسرائيل، بجد واجتهاد وعزيمة وحرص على العمل بها.
ثم ذكر الله تعالى ما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال ذاكرا صفاته:
١- وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أي وأعطيناه الحكم والفهم للكتاب والفقه في الدين والإقبال على الخير، وهو صغير حدث دون سبع سنين. وقيل: الحكمة:
النبوة لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام، وهما صبيان، قال الرازي: والأقرب حمله على النبوة لوجهين:
الأول- أن الله تعالى وصفه بصفات شريفة، والنبوة أشرف صفات الإنسان، فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها.
الثاني- أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره، ولغيره على الإطلاق، وذلك لا يكون إلا بالنبوة.
قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيي بن زكريا:
اذهب بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقنا، فلهذا أنزل الله: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا.
٢- وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا أي رحمناه رحمة من عندنا. والحنان: الرحمة والشفقة والعطف والمحبة. قال ابن كثير: والظاهر من السياق أن قوله:
وَحَناناً معطوف على قوله: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان: هو المحبة في شفقة وميل «١».
٣- ٥: وَزَكاةً، وَكانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ أي وجعلنا مباركا للناس، يهديهم إلى الخير، مطهرا من الدنس والرجس والآثام والذنوب، وكان تقيا، أي متجنبا لمعاصي الله، مطيعا له، وكثير البر والطاعة لوالديه، متجنبا عقوقهما قولا وفعلا، أمرا ونهيا، فهو مطيع لله ولأبويه.
٦- ٧: وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
أي لم يكن متكبرا على الناس، بل كان متواضعا لهم، ولم يكن مخالفا عاصيا ما أمره به ربه،
روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا».
وبعد ذكر هذه الأوصاف الجميلة ليحيي ذكر الله تعالى جزاءه على ذلك، فقال: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
أي له الأمان من الله في هذه الثلاثة أحوال: أمان عليه من الله يوم الولادة، فقد أمن أن يناله الشيطان في ذلك اليوم كما ينال سائر بني آدم، ويوم الموت، فيأمن عذاب القبر، ويوم البعث يأمن هول يوم القيامة وعذابه.
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت، فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، فأكرم الله يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات تسع صفات ليحيي بن زكريا عليهما السلام وهي:
١- الجد والصبر على القيام بأمر النبوة، فليس المراد من قوله خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ القدرة على الأخذ لأن ذلك معلوم لكل أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على النبوة.
٢- إيتاؤه النبوة وهو صبي لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام وهما صبيان، لا كما بعث موسى ومحمدا عليهما السلام، وقد بلغا الأشد وهو أربعون سنة.
٣- جعله ذا حنان، أي محبة ورحمة وشفقة على الناس، كصفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأنه الرؤوف الرحيم.
٤- جعله ذا بركة ونفع ونماء بتقديم الخير للناس وهدايتهم، كما وصف عيسى عليه السلام: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ [مريم ١٩/ ٣١].
٥- كونه تقيا: يتقي نهي الله فيجتنبه، ويتقي أمر الله فلا يهمله، ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يلّم بها.
٦- بارا بوالديه: فلا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين، والله تعالى جعل طاعة الوالدين بعد طاعته مباشرة، فقال: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء ١٧/ ٢٣].
٧- لم يكن جبارا متكبرا: بل كان ليّن الجانب متواضعا، وذلك من صفات المؤمنين، وقد أمر الله نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك فقال: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر ١٥/ ٨٨] وقال: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران ٣/ ١٥٩].
٨- لم يكن عصيا لربه ولا لوالديه.
٩- سلام وأمان من الله عليه يوم مولده ويوم وفاته ويوم بعثه. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله تعالى عليه، وحياة في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي