ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

ومَرْيَمَ
هي بنت عمران أم عيسى أخت أم يحيى واختلف الناس لم انْتَبَذَتْ
والانتباذ التنحي. فقال السدي انْتَبَذَتْ
لتطهر من حيض، وقال غيره لتعبد الله وهذا أحسن، وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك. وقوله شَرْقِيًّا
يريد في جهة الشرق من مساكن أهلها، وسبب كونه في الشرق أنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلق الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها، حكاه الطبري. وحكي عن ابن عباس أنه قال إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله عز وجل إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة، وقال بعض الناس «الحجاب» هي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادتها. فقال السدي كان من جدرات، وقيل من ثياب، وقال بعض المفسرين اتخذت المكان بشرقي المحراب، و «الروح» جبريل، وقيل عيسى، حكى الزجاج القولين. فمن قال إنه جبريل قدر الكلام فتمثل هو لها، ومن قال إنه عيسى قدر الكلام فتمثل الملك لها، قال النقاش ومن قرأ «روحنّا» مشددة النون جعله اسم ملك من الملائكة ولم أر هذه القراءة لغيره. واختلف الناس في نبوة مريم فقيل كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك، وقيل لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها لملك، كما رئي جبريل في صفة دحية وفي سؤاله عن الإسلام والأول أظهر. وقوله تعالى أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ
الآية، المعنى قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته، فأساءت به الظن أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ
ذا تقى، قال أبو وائل علمت أن «التقي» ذو نهية، وقال وهب بن منبه «تقي» رجل فاجر كان في ذلك الزمن في قومها فلما رأته متسورا عليها ظنته إياه فاستعاذت بالرحمن منه، حكى هذا مكي وغيره، وهو ضعيف ذاهب مع التخرص، فقال لها جبريل عليه السلام إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
، جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ الجمهور «لأهب» كما تقدم، وقرأ عمرو ونافع «ليهب» بالياء أي ليهب الله لك، واختلف عن نافع. وفي مصحف ابن مسعود «ليهب الله لك»، فلما سمعت مريم ذلك واستشعرت ما طرأ عليها استفهمت عن طريقه وهي لم يمسها بشر بنكاح ولم تكن زانية. و «البغي»، المجاهرة المنبهرة في الزنا فهي طالبة له بغوى على وزن فعول كبتول وقتول ولو كانت فعيلا لقوي أن يلحقها هاء التأنيث فيقال بغية.
قوله عز وجل:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣)
المعنى قال لها الملك كَذلِكِ هو كما وصفت ولكن قالَ رَبُّكِ ويحتمل أن يريد على هذه الحال قالَ رَبُّكِ والمعنى متقارب والآية العبرة المعرضة للنظر، والضمير في قوله لِنَجْعَلَهُ للغلام، وَرَحْمَةً مِنَّا معناه طريق هدى لعالم كثير، فينالون الرحمة بذلك، ثم أعلمها بأن الأمر قد قضي وانتجز،

صفحة رقم 9

و «الأمر» هنا واحد الأمور وليس بمصدر أمر يأمر وروي أن جبريل عليه السلام حين قاولها هذه المقاولة «نفخ في جيب درعها» فسرت النفخة بإذن الله حتى حملت منها قاله وهب بن منبه وغيره، وقال ابن جريج: نفخ في جيب درعها وكمها وقال أبي بن كعب «دخل الروح المنفوخ من فمها» فذلك قوله تعالى: فَحَمَلَتْهُ أي حملت الغلام، ويذكر أنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلما أحست بذلك وخافت تعنيف الناس وأن يظن بها الشر «انتبذت به» أي تنحت مَكاناً بعيدا حياء وفرارا على وجهها، وروي في هذا أنها فرت إلى بلاد مصر أو نحوها قاله وهب بن منبه، وروي أيضا أنها خرجت إلى موضع يعرف (ببيت لحم) بينه وبين إيلياء أربعة أميال و «أجاءها» معناه، فاضطرها وهو تعدية جاء بالهمزة وقرأ شبل بن عزرة ورويت عن عاصم «فاجأها» من المفاجأة وفي مصحف أبي بن كعب «فلما أجاءها المخاض».
وقال زهير: [الوافر]

وجار سار معتمدا إليكم أجاءته المخافة والرجاء
وقرأ الجمهور «المخاض» بفتح الميم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو «الطلق وشدة الولادة وأوجاعها»، روي أنها بلغت إلى موضع كان فيه «جذع نخلة» بال يابس في أصله مذود بقرة على جرية ماء فاشتد بها الأمر هنالك واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه، يا لَيْتَنِي مِتُّ ولم يجر علي هذا القدر، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعاصم وأبو عمرو وجماعة «مت» بضم الميم، وقرأ الأعرج وطلحة ويحيى والأعمش «مت» بكسرها واختلف عن نافع، وتمنت مريم الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك وهذا مباح، وعلى هذا الحد تمناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصالحين ونهي النبي عليه السلام عن تمني الموت إنما هو لضر نزل بالبدن وقد أباحه عليه السلام في قوله: «يأتي على الناس زمان يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه».
قال القاضي أبو محمد: لأنه زمن فتن يذهب بالدين، وَكُنْتُ نَسْياً أي شيئا متروكا محتقرا، و «النسي» في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى فلا يتألم لفقده، كالوتد والحبل للمسافر ونحوه، ويقال «نسي» بكسر النون و «نسي» بفتحها، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ حمزة وحده بالفتح، واختلف عن عاصم، وكقراءة حمزة، قرأ طلحة ويحيى والأعمش، وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز «نسئا» بكسر النون، وقرأ نوف البكالي «نسأ» بفتح النون، وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب، وقرأ بكر بن حبيب «نسّا» بشد السين وفتح النون دون همز، وقال الشنفري: [الطويل]
كأنّ لها في الأرض نسّا تقصه إذا ما غذت وإن تحدثك تبلت
وحكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى، فجاءتها أختها زائرة فقالت «يا مريم أشعرت أني حملت»، قالت لها مريم «أشعرت أنت أني حملت»، قالت لها «وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك» وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم، قال السدي فذلك قوله تعالى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] وفي هذا كله ضعف فتأمله. وكذلك

صفحة رقم 10

المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي

تحقيق

عبد السلام عبد الشافي محمد

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1422 - 2001
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية