ﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

فلم ذكر والدته هنا ؟ ولم حرص على تقرير بره بها ؟ قالوا : لأن البعض قد يظن أن عيسى عليه السلام حينما يكبر ويعرف قصة خلقه، وأن أمه أتت به من غير أب، ودون أن يمسسها بشر قد تترك هذه المسألة ظلالاً في نفسه وتساوره الشكوك في أمه، فأراد أن يقطع كل هذه الظنون.
ذلك لأنه هو نفسه الدليل، وهو نفسه الشاهد على براءة أمه، والدليل لا يشكك في المدلول، فكأنه يقول للقوم : إياكم أن تظنوا أني سأتجرأ على أمي، أو يخطر ببالي خاطر سوء نحوها. ثم يقول :
ولم يجعلني جباراً شقياً " ٣٢ " ( سورة مريم ).
فنفى عن نفسه صفة الجبروت والقسوة والتعاظم ؛ لأن الرسول لابد أن يكون لين الجانب رفيقاً بقومه ؛ لأنه أتى ليخرج الناس مما ألفوه من الفساد إلى ما يثقل عليهم من الطاعة.
والإنسان بطبعه حين يألف الفساد يكره من يخرجه عن فساده، فمن الطبيعي أن يتعرض النبي لاستفزاز القوم وعنادهم ومكابرتهم، فلو لم يكن لين الجانب، رقيق الكلمة، يستميل الأذن لتسمع والقلوب لتعي ما صلح لهذه المهمة. لذلك يخاطب الحق تبارك وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله :
ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك.. " ١٥٩ " ( سورة آل عمران ).
ومعنى : شقياً " ٣٢ " ( سورة مريم )أي : عاصياً، وما أبعد من هذه صفاته عن معصية الله التي يشقى بسببها الإنسان.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير