ولما كانت مرتبة النبوّة أرفع من مرتبة الصدّيقية قال تعالى : نبيا أي : استنبأه الله تعالى : إذ لا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده.
وقوله تعالى إذ قال بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض أو متعلق بكان أو بصدّيقاً نبياً أي : كان جامعاً لخصائص الصدّيقين والأنبياء حين قال لأبيه آزر هادياً له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفاً له في كل جملة بقوله : يا أبت والتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وقرأ ابن عامر بفتح التاء في الوصل والباقون بكسرها وأمّا الوقف فوقف ابن كثير وابن عامر بالهاء والباقون بالتاء، ثم إنّ الله تعالى حكى عنه أيضاً : أنه تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام النوع الأوّل قوله : لم تعبد مريداً بالاستفهام المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفاً الأمر غاية الكشف بقوله : ما لا يسمع ولا يبصر أي : ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالاً أو مآلاً ولا يغني عنك شيئاً في جلب نفع ودفع ضرّ فوصف الأوثان بصفات ثلاث كل واحدة منها قادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه :
أحدها : أنّ العبادة غاية التعظيم فلا تستحق إلا لمن له غاية الإنعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما تقرّر في تفسير قوله : وإنّ الله ربي وربكم [ مريم، ٣٦ ] وكما أنه لا يجوز الاشتغال بشكر ما لم تكن منعمة وجب أن لا يجوز الاشتغال بعبادتها.
وثانيها : أنها إذا لم تسمع ولا تبصر ولا تميز من يطيعها عمن يعصيها فأيّ فائدة في عبادتها ؟ وهذا تنبيه على أنّ الإله يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات.
وثالثها : أنّ الدعاء مخ العبادة فإذا لم يسمع الوثن دعاء الداعي فأيّ منفعة في عبادته وإذا لم يبصر تقرّب من يتقرّب إليه فأيّ منفعة في ذلك التقرّب.
ورابعها : أنّ السامع المبصر الضارّ النافع أفضل ممن كان عارياً عن كل ذلك والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبودية الأخس.
وخامسها : إن كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى بها منفعة ولا يخاف من ضررها فأيّ فائدة في عبادتها ؟.
وسادسها : إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد حين جعلها إبراهيم عليه السلام جذاذاً فأي رجاء فيها للغير ؟ فكأنه عليه السلام قال : ليست الإلهية إلا لرب يسمع ويبصر ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني