جُبَيْرٍ. وَقَتَادَةَ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا، وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.
وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مَا نَسْتَقْبِلُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَمَا خَلْفَنَا أَيْ: مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ أَيْ: مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. يُرْوَى نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ، وقَتَادَةَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَالثَّوْرِيِّ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا قَالَ مُجَاهِدٌ [والسُّدِّيّ] (١) مَعْنَاهُ: مَا نَسِيَكَ رَبُّكَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَقَوْلِهِ: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضُّحَى: ١-٣]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ (٢) -يَعْنِي أَبَا الْجُمَاهِرِ (٣) -حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ يَرْفَعُهُ قَالَ: "مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ [عَنْهُ] (٤) فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى (٥) شَيْئًا" ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦)
وَقَوْلُهُ: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [أَيْ: خَالِقٌ ذَلِكَ وَمُدَبِّرُهُ، وَالْحَاكِمُ فِيهِ وَالْمُتَصَرِّفُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ] (٧) هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ تَعْلَمُ لِلرَّبِّ مَثَلًا أَوْ شَبَهًا.
وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ أَحَدٌ يُسَمَّى الرَّحْمَنَ غَيْرَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَقَدَّسَ اسْمُهُ.
وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ يَتَعَجَّبُ وَيَسْتَبْعِدُ إِعَادَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: ٥]،
(٢) في ت: "ابن عباس".
(٣) في أ: "أبا الجماهير".
(٤) زيادة من ت، ف، أ.
(٥) في أ: "لينسنا".
(٦) ورواه البزار في مسنده برقم (١٢٣) من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن إسماعيل بن عياش به وقال: "إسناده صالح".
ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٣٧٥) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/١٢) عن طريق أبي نعيم الفضل بن دكين عن عاصم بن رجاء عن أبيه بِهِ وَقَالَ الْحَاكِمُ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".
وله شاهد من حديث سلمان رضي الله عنه.
(٧) زيادة من ت، ف، أ.
وَقَالَ: أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٧-٧٩]، وَقَالَ هَاهُنَا: وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا يَسْتَدِلُّ، تَعَالَى، بِالْبَدَاءَةِ عَلَى الْإِعَادَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ، تَعَالَى [قَدْ] (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا، أَفَلَا يُعِيدُهُ وَقَدْ صَارَ شَيْئًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الرُّومِ: ٢٧]، وَفِي الصَّحِيحِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، وَآذَانِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤْذِيَنِي، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلِيَّ مِنْ آخِرِهِ، وَأَمَّا أَذَاهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ (٣) كُفُوًا أَحَدٌ" (٤).
وَقَوْلُهُ: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ أَقْسَمَ الرَّبُّ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْشُرَهُمْ جَمِيعًا وَشَيَاطِينَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا.
قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: قُعُودًا كَقَوْلِهِ: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [الْجَاثِيَةِ: ٢٨].
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا : يَعْنِي: قِيَامًا، وَرُوِيَ عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [مِثْلَهُ] (٥).
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ يَعْنِي: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا.
قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ [عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ] (٦)، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَحْبِسُ الْأَوَّلَ عَلَى الْآخِرِ، حَتَّى إِذَا تَكَامَلَتِ الْعِدَّةُ (٧)، أَتَاهُمْ جَمِيعًا، ثُمَّ بَدَأَ بِالْأَكَابِرِ، فَالْأَكَابِرِ جُرْمًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا قَالَ: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ أَهْلِ كُلِّ (٨) دِينٍ قَادَتَهُمْ [وَرُؤَسَاءَهُمْ] (٩) فِي الشَّرِّ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الْأَعْرَافِ: ٣٨، ٣٩]
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ثُمَّ" هَاهُنَا لِعَطْفِ الْخَبَرِ عَلَى الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنَ الْعِبَادِ أَنْ يَصْلَى بِنَارِ جَهَنَّمَ ويخلَّد فيها، وبمن (١٠) يستحق تضعيف
(٢) في ت، ف، أ: "ألد ولم أولد".
(٣) في ف، أ: "لي".
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٩٧٥).
(٥) زيادة من ف، أ.
(٦) زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "أبي" والمثبت من الطبري.
(٧) في ت: "المغيرة".
(٨) في ت، ف: "من كل أهل".
(٩) زيادة من ت، ف، أ.
(١٠) في ت، ف، أ: "ومن".
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة