" كلا " رد(١) عليه، أي : إنه لم يفعل ذلك.
" كَلاَّ " للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب :
أحدها(٢) : وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش(٣) وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر(٤).
وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن(٥)، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك(٦) القائل.
والثاني : وهو مذهب النضر بن شميل(٧) أنها حرف تصديق بمعنى نعم(٨)، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم(٩).
والثالث(١٠) : وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن(١١) الأنباري(١٢)، " ونصر بن يوسف(١٣) " (١٤)وابن واصل(١٥) أنها بمعنى حقًّا(١٦).
والرابع : وهو مذهب أبي عبد الله(١٧) محمد بن الباهلي(١٨) أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع.
الخامس : أنها صلة في الكلام بمعنى " إي " (١٩) كذا قيل. وفيه نظر، فإن " إي " حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم.
السادس : أنها حرف استفتاح، وهو قول " أبي حاتم(٢٠) ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به.
وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ " (٢١) هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك(٢٢) في قوله : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ (٢٣) كما سيأتي(٢٤) ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً " (٢٥).
فأما قولهم(٢٦) : ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهبك بالكنية(٢٧).
وفي قراءة الفتح " والتنوين أربعة أوجه :
أحدها : أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره " (٢٨) : كَلُّوا(٢٩) كَلاًّ(٣٠)، أي : أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب : كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا(٣١) عن الضرب، وكلَّ زيدٌ(٣٢)، أي تعِبَ. وقيل : المعنى : كلُّوا في دعواهم وانقطعوا(٣٣).
والثاني(٣٤) : أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره : حُمِّلُوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً : الثقل(٣٥) : تقول : فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى : وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ (٣٦).
والثالث : أن " (٣٧) التنوين(٣٨) بدل من ألف " (٣٩) " كلاَّ "، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً.
قال الزمخشري : ولقائل أن يقول : إن صحت هذه الرواية(٤٠)، فهي " كلاَّ " التي للردع " (٤١) قلب(٤٢) الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله : قوارِيرا (٤٣) " (٤٤).
قال أبو حيان : وهذا ليس بجيد، لأنه قال : التي للردع، " والتي للردع " (٤٥) حرف ولا(٤٦)، وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه(٤٧) ب " قَوَارِيراً " ليس بجيد، لأنَّ " قَوَارِيرَ " (٤٨) اسم(٤٩) يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا اجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز ؟ قولان(٥٠).
ومنقول أيضاً : أن(٥١) بعض لغة العرب(٥٢) يصرفون ما لا ينصرف(٥٣)، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة(٥٤).
والرابع : أنه نعتٌ ل " آلهة "، قاله(٥٥) ابن عطية(٥٦). وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، " أن يكون وصف(٥٧) " الآلهة بالكلِّ الذي هو(٥٨) المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل : آلهةٌ كالِّين، أي : عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى(٥٩) ابن عطية والداني(٦٠) وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ(٦١) " كُلاًّ " بضم الكاف(٦٢) والتنوين(٦٣)، وفيها تأويلان :
أحدهما : أن ينتصب على الحال، أي : سيكفرون جميعاً(٦٤) ؛ كذا قدره أبو(٦٥) البقاء، واستبعده(٦٦).
والثاني : أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، يرفضون، أي : يجحدون، أو(٦٧) يتركون كلاًّ(٦٨)، قاله(٦٩) ابن عطية(٧٠). وحكى(٧١) ابن جرير(٧٢) أن أبنا نهيك قرأ " كُلُّ " بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره(٧٣).
وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في(٧٤) " كلاًّ " الثانية(٧٥). وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب " ونُمِدُّ " (٧٦) من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ(٧٧).
قوله : ونَرثهُ ما يقُولُ . يجوز في " مَا " وجهان :
أحدهما : أن يكون مفعولاً بها(٧٨)، والضمير في " نَرِثُهُ " منصوب على إسقاط الخافض تقديره : ونرثُ منه " ما يقوله(٧٩) " (٨٠).
والثاني : أن يكون بدلاً من الضمير في " نَرِثُهُ " بدل اشتمال(٨١). وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي : نرثه معنى ما يقول : أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث(٨٢). " و " فَرْداً " حال إمَّا مقدرة نحو فادخلوها خَالِدِينَ (٨٣)، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية(٨٤) " (٨٥).
قوله تعالى : سَنَكْتبُ (٨٦) سنحفظ (٨٧) " ما يقُولُ " فنُجازيه في الآخرة(٨٨).
وقيل : نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً أي : نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل : نطيل عذابه(٨٩).
٢ في ب: الأول..
٣ في ب: وأبي الحسن والأخفش. وهو تحريف..
٤ قال سيبويه: (وأما كلا فردع وزجر) الكتاب ٤/٢٣٥..
٥ لأن فيها معنى التهديد والوعيد، ولذلك لم تقع في القرآن إلا في سورة مكية، لأن التهديد والوعيد أكثر ما نزل بمكة..
٦ في ب: هذا..
٧ تقدم..
٨ انظر المغني ١/١٨٩..
٩ ومما يشير إلى استعمالها للقسم بهذا قول الفراء في قوله تعالى: كلا والقمر كلا: صلة للقسم الذي بعدها، فلا يوقف عليها. كأنه قال: إي والقمر، كما تقول: كلا وربّ الكعبة تريد: إي. وجعلها ابن هشام استفتاحية. انظر المغني ١/١٨٩..
١٠ والثالث: سقط من ب..
١١ ابن: سقط من ب..
١٢ تقدم..
١٣ في بغية الوعاة ٢/٣٧٥: نصر بن يوسف صاحب الكسائي، قال ياقوت: كان نحويا لغويا وفي طبقات القراء ٢/٣٤٠: نصير بن يوسف أخذ القراءة عرضا عن الكسائي، وهو من جلة أصحابه وعلمائهم، وكان ضابطا، عالما بمعنى القراءات ونحوها، ولغتها، مات في حدود ٢٤٠ هـ..
١٤ ما بين القوسين في ب: وأبي يوسف ونصر بن يوسف..
١٥ هو محمد بن أحمد بن واصل أبو العباس البغدادي، مقرئ جليل، إمام متقن ضابط أخذ القراءة سماعا عن أبيه عن اليزيدي، والكسائي، مات سنة ٢٧٣ هـ.
طبقات القراء ٢/٩١..
١٦ فابتدأ بها لتأكيد ما بعدها، فتكون في موضع مصدر، ويكون موضعها نصبا على المصدر، والعامل محذوف والتقدير: أحق ذلك حقا. انظر المغني ١/١٨٩، الهمع ٢/٧٤..
١٧ في ب: عبد الله وأبي عبد الله..
١٨ لعله أبو العلاء، أو أبو يعلى محمد بن أبي زرعة الباهلي من أصحاب المازني، صنف نكتا على كتاب سيبويه، قيل عنه إنه كان أحذق من المبرد، وإنما قل عنه النقل، لأنه عوجل، مات سنة ٢٥٧ هـ.
انظر طبقات الزبيدي (١١٠)، وبغية الوعاة ١/١٠٤، وفيه: ولد مكان مات..
١٩ هذا الرأي أحد استعمالي الرأي الثاني وهو قوله: وقد يستعمل في القسم..
٢٠ وهي على هذا حرف لاستفتاح الكلام لا غير، ولا يستعمل على هذا المعنى إلا في الابتداء بها، ورجحه ابن هشام على رأي النضر بن شميل والفراء، المغني ١/١٨٩، الهمع ٢/٧٥..
٢١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٢ في ب: أبي نهيك..
٢٣ [٨٢ من السورة نفسها]..
٢٤ الكشاف ٢/٤٢٢..
٢٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٦ في ب: قوله..
٢٧ انظر المختصر (٨٦)، والمحتسب ٢/٤٥، تفسير ابن عطية ٩/٥٣١، البحر المحيط ٦/٢١٤..
٢٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٩ في ب: فلو. وهو تحريف..
٣٠ المحتسب ٢/٤٥، التبيان ٢/١٨١، البحر المحيط ٦/٢١٣، المغني ١/١٩٠..
٣١ نبا حد السيف إذا لم يقطع..
٣٢ في ب: زيدا. وهو تحريف..
٣٣ انظر التبيان ٢/١٨١، المغني ١/١٩٠..
٣٤ في ب: الثاني..
٣٥ انظر التبيان ٢/١٨١، المغني ١/١٩٠..
٣٦ [النحل: ٧٦]..
٣٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٨ في ب: وقيل التنوين..
٣٩ في ب: الألف..
٤٠ وهي قول الزمخشري: (وفي محتسب ابن جني "كلا" بفتح الكاف والتنوين، وزعم أن معناه: كل هذا الرأي والاعتقاد كلا) الكشاف ٢/٤٢٢، والمحتسب ٢/٤٥..
٤١ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٢ في ب: قلنا..
٤٣ من قوله تعالى: ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدّروها تقديرا [الإنسان: ١٥، ١٦]..
٤٤ الكشاف ٢/٤٢٢..
٤٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٦ في ب: فلا..
٤٧ في الأًصل: وتشبيها..
٤٨ في ب: قوارير..
٤٩ في الأصل: اسما..
٥٠ أجاز قوم صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اختيارا وزعم قوم أن صرف ما لا ينصرف مطلقا لغة. انظر الأشموني ٣/٢٧٥..
٥١ في ب: الأول أنه منقول أيضا وإن..
٥٢ في ب: لغة بعض العرب..
٥٣ انظر شرح الكافية ١/٣٨-٣٩..
٥٤ البحر المحيط ٦/٢١٥..
٥٥ في ب: قال. وهو تحريف..
٥٦ تفسير ابن عطية ٩/٥٣١..
٥٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٨ في ب: على. وهو تحريف..
٥٩ في ب: فصل روى..
٦٠ تقدم..
٦١ في ب: أنه قوى كلامه أي قرئ..
٦٢ في ب: القاف. وهو تحريف..
٦٣ المختصر (٨٦)، تفسير ابن عطية ٩/٥٣١..
٦٤ جميعا: سقط من ب..
٦٥ في ب: وأبو. وهو تحريف..
٦٦ التبيان ٢/٨٨١..
٦٧ في ب: و..
٦٨ كلا: سقط من ب..
٦٩ في ب: كذا قاله..
٧٠ تفسير ابن عطية ٩/٥٣١..
٧١ في ب: القول الثاني حكى..
٧٢ تقدم..
٧٣ جامع البيان ١٦/٩٤..
٧٤ في ب: أن. وهو تحريف..
٧٥ من قوله تعالى: كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [الآية ٨٢ من السورة نفسها]..
٧٦ المختصر (٨٦)، الكشاف ٢/٤٢٢، البحر المحيط ٦/٢١٤..
٧٧ في ب: ومده..
٧٨ بها: سقط من ب..
٧٩ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٣، البيان ٢/١٣٥، التبيان ٢/٨٨٢..
٨٠ ما بين القوسين في ب: ما يقولونه..
٨١ انظر التبيان ٢/٨٨٢..
٨٢ انظر الكشاف ٢/٤٢٢..
٨٣ [الزمر: ٧٣]..
٨٤ أي: إذا كان المراد: ويأتينا فردا غدا بلا مال ولا ولد، فـ "فردا" حال مقدرة. ويحتمل أن هذا القول إنما يقوله ما دام حيا، فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله. فـ "فردا" حال مقارنة. الكشاف ٢/٤٢٢..
٨٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٨٦ في ب: قوله: "كلا سنكتب ما يقول"..
٨٧ في ب: سنحفظه..
٨٨ انظر القرطبي ١١/١٤٨..
٨٩ انظر البغوي ٥/٣٩٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود