﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ الآية:
هذه الآيةُ عند جماعةٍ منسوخةٌ بقوله: يا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِد الكفار والمنافقين واغلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣]، جعلوها عامَّة، فلم يرضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -بعدَ نزولها من العربِ إِلاَّ بالإِسلام وإكراهِهِمْ عليه.
وقد رُوِيَ عن عمرَ أَنه عَرَض على مملوك له الإِسلامَ فأَبى فتركه ولم يكْرِهْهُ، فهي - على هذا القول - محكمة.
وقد قيلَ: إن الآيةَ مخصوصةٌ نزلت في أهل الكتابِ ألاَّ يُكْرَهوا إذا أدوا الجزية، ودلَّ على أنها في أَهلِ الكتاب قولُه: يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِد الكفار والمنافقين [التوبة: ٧٣] ولم يذكُرْ (أهلاً لِكتاب).
ودلَّ على ذلك أيضاً قولُه: قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ باليوم الآخر ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّم اللهُ ورسولُه ولاَ يَدِينونَ دينَ الحقِّ مِن الذِينَ أوتوا الكتاب حتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرون [التوبة: ٢٩]. فقد مَنع من قتالهم وإكراهِهم إذا أَعطَوا الجزيةَ.
وقال ابنُ عباس: الآيةُ محكمةٌ مخضوضةٌ نزلت في أبناء الأنصار، وذلك أن الأنصارَ كان تتزوجُ في اليهودِ بني النضير، وكانت المرأةُ منهم تجعل على نفسِها إن عاشَ لها ولد أَن يُهَوِّدوه، فلما أجْلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني النضير، وأَخرجَهم من جزيرة العرب، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءَنا، فأَنزَل الله: لا إكراه في الدين، فكان مَن (شاء لحق) بأبيه، ومَن شاء لَم يلْحَق.
وقال الشعبي: نزلت هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصار كانوا يهودون أبناءهم قبل الإِسلام، إذ لا يعلَمون ديناً أفضلَ من اليهوديَّةِ، فلمَّا أتى الله بالإِسلام وأسلَم الآباءُ أرادوا أن يُكْرِهوا أبناءَهم على الإِسلام، فأنزل اللهُ:﴿لاَ إكراهَ فِي الدِّين﴾.
وقال أبو عبيد: وَجْهُها عندي أن تكون لأَهل الذِّمَّة، يعني لا يكرهون على الإِسلام إذا أَدَّوا الجزية.
فالآية محكمة على هذه الأقوال. وهو الأظهر فيها والأولى.
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي
أحمد حسن فرحات