وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَالطَّاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ، وَمَاضِيهِ خَطِفَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ) [الصَّافَّاتِ: ١٠] وَفِيهِ قِرَاءَاتٌ شَاذَّةٌ: إِحْدَاهَا: كَسْرُ الطَّاءِ عَلَى أَنَّ مَاضِيَهُ خَطَفَ بِفَتْحِ الطَّاءِ. وَالثَّانِيَةُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَالطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، وَالْأَصْلُ:
يَخْتَطِفُ، فَأُبْدِلَ مِنَ التَّاءِ طَاءٌ، وَحُرِّكَتْ بِحَرَكَةِ التَّاءِ، وَالثَّالِثَةُ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا بِكَسْرِ الطَّاءِ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الْأَقَلِّ. وَالرَّابِعَةُ: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهَا بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْضًا عَلَى الْإِتْبَاعِ.
وَالْخَامِسَةُ: بِكَسْرِ الْيَاءِ أَيْضًا إِتْبَاعًا أَيْضًا. وَالسَّادِسَةُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ. (كُلَّمَا) : هِيَ هُنَا ظَرْفٌ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَوْضِعٍ كَانَ لَهَا جَوَابٌ.
وَ ((مَا)) مَصْدَرِيَّةٌ ; وَالزَّمَانُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ كُلُّ وَقْتِ إِضَاءَةٍ.
وَقِيلَ ((مَا)) هُنَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَمَعْنَاهَا الْوَقْتُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ كُلَّ وَقْتٍ أَضَاءَ لَهُمْ فِيهِ، وَالْعَامِلُ فِي كُلٍّ جَوَابُهَا. وَ (فِيهِ) : أَيْ فِي ضَوْئِهِ. وَالْمَعْنَى بِضَوْئِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا عَلَى أَصْلِهَا.
وَالْمَعْنَى: إِنَّهُمْ يُحِيطُ بِهِمُ الضَّوْءُ.
(شَاءَ) : أَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ ; لِقَوْلِهِمْ فِي مَصْدَرِهِ: شِئْتُ شَيْئًا، وَقَالُوا شَيَّأْتُهُ ; أَيْ حَمَلْتُهُ عَلَى أَنْ يَشَاءَ. (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) : أَيْ أَعْدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ. (وَعَلَى كُلِّ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ: ((قَدِيرٌ)) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) : أَيُّ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِوُقُوعِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أُتِيَ بِهِ فِي النِّدَاءِ تَوَصُّلًا إِلَى نِدَاءِ مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ إِذَا كَانَتْ ((يَا)) لَا تُبَاشِرُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَبُنِيَتْ لِأَنَّهَا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَقْصُودٌ، وَهَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّنْبِيهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تُبَاشِرَ ((يَا)) النَّاسَ، فَلَمَّا حِيلَ بَيْنَهُمَا بِأَيٍّ، عُوِّضَ مِنْ ذَلِكَ ((هَا))، وَالنَّاسُ وَصْفٌ لِأَيٍّ لَا بُدَّ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ الْمُنَادَى فِي الْمَعْنَى، وَمِنْ هَاهُنَا رُفِعَ ; وَرَفْعُهُ أَنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مِنْ ضَمَّةِ الْبِنَاءِ، وَأَجَازَ الْمَازِنِيُّ نَصْبَهُ كَمَا يُجِيزُ يَا زَيْدُ الظَّرِيفَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ لُزُومِ ذِكْرِهِ، وَالصِّفَةُ لَا يَلْزَمُ ذِكْرُهَا. (مِنْ قَبْلِكُمْ) : مِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالَّذِينَ خَلَقَهُمْ مِنْ قَبْلِ خَلْقِكُمْ ;
فَحَذَفَ الْخَلْقَ، وَأَقَامَ الضَّمِيرَ مَقَامَهُ. (لَعَلَّكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ فِي الْمَعْنَى بِـ (اعْبُدُوا) ; أَيِ اعْبُدُوا لِيَصِحَّ مِنْكُمْ رَجَاءُ التَّقْوَى ; وَالْأَصْلُ تَوْتَقِيُونَ ; فَأُبْدِلَ مِنَ الْوَاوِ تَاءٌ، وَأُدْغِمَتْ فِي التَّاءِ الْأُخْرَى، وَسَكَنَتِ الْيَاءُ، ثُمَّ حُذِفَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظَائِرُهُ فَوَزْنُهُ الْآنَ تَفْتَعُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَتَّقُونَ)، أَوْ بَدَلٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَوْ صِفَةٍ مُكَرَّرَةٍ، أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ الَّذِي، وَجَعَلَ هُنَا مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَرْضُ. (فِرَاشًا) حَالٌ، وَمِثْلُهُ: (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً).
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي