قوله : يَوْمَ يُنْفَخُ ١ " يَوْمَ " بدل من " يَوْمَ القِيَامَةِ " ٢، أو بيان له أو منصوب بإضمار فعل، أو خبر مبتدأ مضمر، وبُنِيَ٣ على الفتح على رأي الكوفيين كقراءة " هَذَا يَوْمُ يَنْفَع " ٤ وقد تقدَّم. وقرأ أبو عمرو " نَنْفُخُ " مبنيّاً للفاعل بنون العظمة كقوله : وَنَحْشُر أسند الفعل إلى٥ الأمر به تعظيماً للمأمور، وهو إسرافيل. والباقُونَ مضمومة مفتوح الفاء على البناء للمفعول٦، والقائم٧ مقام الفاعل الجار والمجرور٨ بعده. والعامة على إسكان الواو " في الصًّورِ ".
وقرأ الحسن وابن عامر٩ بفتحها جمع صورة كغُرَف جمع غُرْفَة، وقد تقدم القول في الصُّور في الأنعام١٠ ( وقرئ :" يَنْفُخَ، وَيَحْشُرُ " بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل١١، وهو الله تعالى أو المَلَك )١٢. وقرأ الحسن وحميد " يُنْفَخُ " كالجمهور١٣، " ويَحْشُرُ " بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل١٤، والفاعل١٥ كما تقدم ضمير الباري أو ضمير الملك. وروي عن الحسن أيضاً " ويُحْشَرُ " مبينَّا للمفعول " المُجْرِمُونَ " ١٦ رفع به١٧ و " زُرْقاً " حال من المجرمين١٨، والمراد زرقةُ العُيون، وجاءت الحال هنا بصفة تشبه اللازمة١٩، لأن أصلها على عدم اللزوم، ولو قلتَ في الكلام : جاءَنِي زيدٌ أزرق العينين لم يجز٢٠ إلا بتأويل٢١.
فصل
قيل : الصور قرن ينفخ فيه بدعائه الناس للحشر. وقيل : إنه جمع٢٢ صورة، والنَّفخُ نفخ الرُّوح فيه، ويدل عليه قراءة من قرأ " الصٌّوَر " بفتح الواو٢٣.
والأول أولى لقوله تعالى : فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور ٢٤ والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شُوهِدَ في الدنيا، ومن عادة الناس النفخُ في البوق عند الأسفار وفي العساكر٢٥. والمراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لقوله بعد ذلك : وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً فالنفخ في الصور كالسبب لحشرهم، فهو كقوله : يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ٢٦ ٢٧. والزرقة هي الحضرة في سواد العين، فيُحْشَرُون زرق العيون سود الوجوه٢٨. فإن قيل : أليس أنَّ الله تعالى٢٩ أخبر يُحْشَرُونَ عُمْياً٣٠ فكيف يكون أعمى وأزرق٣١ ؟
فالجواب لعله يكون أعمى في حال : وأزرق في حال٣٢.
وقيل :" زُرْقاً " أي عُمْياً٣٣، قال الزجاج : يخرجون زُرْقاً في أول الأمر ويُعْمَون في المحشر٣٤.
وسوادُ العين إذا ذهب تزرق٣٥. فإن قيل : كيف يكون أعمى، وقد٣٦ قال الله تعالى : لِيَوْمٍ٣٧ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار ٣٨ وشخوص البصر٣٩ من الأعمى محال، وأيضاً قد٤٠ قال في حقهم : اقرأ كَتَابَكَ ٤١ والأَعْمَى كيف يقرأ ؟
فالجواب أن أحوالهم قد تختلف٤٢. وقيل : المراد بقوله : زُرْقاً أي زرق العيون، والعرب تتشاءَمُ بها. وقيل يجتمع مع الزرقة سواد٤٣ الوجه.
قال أبو مسلم : المراد بالزرقة شخوص أبصارهم، والأزرق شاخص فإنه لضعف بصره يكون محدِّقاً نحو الشيء، وهذه حال٤٤ الخائف المتوقع لما يكره، وهي كقوله : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار٤٥ ٤٦.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي :" زُرْقاً " عِطَاشاً٤٧، قال لأنهم من شدة العطش يتغير سوادُ أعينهم حتى تزرَقُّ لقوله٤٨ تعالى : وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً ٤٩ ٥٠ وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي٥١ :" زُرْقاً " طامعين ( فيما لا يَنَالُونَه٥٢ )٥٣.
فصل
قالت المعتزلة : لفظُ المجرمين يتناول الكفار والعُصاة فيدل على عدم العفو عن٥٤ العصاة. وقال٥٥ ابن عباس : يريدُ بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر وتقدم هذا البحث٥٦.
٢ في الآية السابقة: (١٠٠). البحر المحيط ٦/٢٧٨..
٣ في ب: وهو. وهو تحريف..
٤ من قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم [المائدة: ١١٩] وذكر ابن عادل هناك: الجمهور على رفعه من غير تنوين ونافع على نصبه من غير تنوين، فأما قراءة الجمهور فواضحة على المبتدأ والخبر، فالجملة في محل نصب بالقول، وجملة "ينفع الصادقين" في محل جر بالإضافة، وأما قراءة نافع فـ "هذا" مبتدأ، و"يوم" خبره كالقراءة الأولى، وإنما بني الظرف لإضافته إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربة وهذا مذهب الكوفيين، واستدلوا عليه بهذه القراءة وأما البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدّرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض وخرّجوا هذه القراءة على أنّ "يوم" منصوب على الظرف، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ، أي: هذا واقع أو يقع في يوم ينفع، و"ينفع" في محل خفض بالإضافة..
٥ في ب: في. وهو تحريف..
٦ السبعة (٤٢٤)، الحجة لابن خالويه (٢٤٧)، الكشف ٢/١٠٦، النشر ٢/٣٣٢، الإتحاف (٣٠٧)..
٧ في ب: وهو قائم. وهو تحريف..
٨ في ب: على الجار والمجرور. وهو تحريف..
٩ في ب: وابن عامر في رواية..
١٠ عند قوله تعالى: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور [الأنعام: ٧٣]..
١١ البحر المحيط ٦/٢٧٨..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ في ب: وقرأ "ينفخ" و"يحشر" كالجمهور. وهو تحريف..
١٤ البحر المحيط ٦/٢٧٨..
١٥ والفاعل: سقط من ب..
١٦ المختصر :(٩٠) البحر المحيط ٦/٢٧٨..
١٧ في ب: مفعول به. وهو تحريف..
١٨ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٧، القرطبي ١١/٢٤٤..
١٩ في ب: ها هنا من الملازمة. وهو تحريف..
٢٠ في ب: لم يجز به. وهو تحريف..
٢١ الأصل في الحال أن تكون منتقلة، وتأتي لازمة في:
أ – أن تكون مؤكدة لمضمون جملة قبلها نحو زيد أبوك عطوفا، أو لعاملها نحو قوله تعالى: ويوم أبعث حيا [مريم: ٣٣] أو لصاحبها نحو قوله تعالى: لآمن من في الأرض كلهم جميعا [يونس: ٩٩].
ب- أن يدل عاملها على تجدّد صاحبها وحدوثه نحو خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، فـ (أطول) حال ملازمة من (يديها).
ج – أن مرجعها إلى السماع نحو قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط [آل عمران: ١٨] إذا أعرب (قائما) حالا من فاعل (شهد). والآية التي بين أيدينا من النوع الثاني، وفي المثال لا يمكن حمله على التجدد لعدم دلالة ذلك في العامل. انظر شرح التصريح ١/٣٦٧ – ٣٦٨..
٢٢ في ب: اسم. وهو تحريف..
٢٣ وهي قراءة الحسن وابن عامر..
٢٤ [المدثر: ٨]..
٢٥ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٢٦ [النبأ: ١٧]..
٢٧ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٢٨ وهو قول الضحاك ومقاتل. وانظر البغوي ٥/٤٥٧، والفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٢٩ تعالى: سقط من ب..
٣٠ قال الله تعالى: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما [الإسراء: ٩٧]..
٣١ في ب: أعمى وأزرق العيون..
٣٢ الفخر الرازي ٢٢/٤١١..
٣٣ قاله الكلبي. انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٣٤ قال الزجاج: (يخرجون من قبورهم بصراء كما خلقوا أول مرة ويعمون في المحشر) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧٦..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٣٦ قد: سقط من ب..
٣٧ في ب: يوم. وهو تحريف..
٣٨ [إبراهيم: ٤٢]..
٣٩ في ب: الأبصار..
٤٠ قد: سقط من ب..
٤١ من قوله تعالى: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء: ١٤]..
٤٢ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٤٣ في ب: وقيل يجتمع بين الزرقة وسواد الوجه..
٤٤ في ب: حالة..
٤٥ [إبراهيم: ٤٢]..
٤٦ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٤٧ مجالس ثعلب ١/٣٢٥..
٤٨ في الأصل: كقوله..
٤٩ [مريم: ٨٦]..
٥٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٥..
٥١ في ب: عن ابن الأعرابي أيضا..
٥٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٥..
٥٣ ما بين القوسين في الأصل: على ما لا ينالوه، وفي ب: على مما ينالوه..
٥٤ في الأصل: عنهم..
٥٥ في الأصل: قال..
٥٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود