يوم يُنفخُ في الصُّور أي : ذلك اليوم هو يوم يُنفخ في الصور، أو : اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، ونَحشُر المجرمين أي : المشركين يومئذٍ أي : يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلاً، حَال كونهم زُرقًا أي : زُرق العُيون. وإنما جُعلوا كذلك ؛ لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر :
لَقَدْ زَرِقَتْ عَيْنَاكَ يا ابنْ مُكَعْبَرٍ *** أَلاَ كُلُّ ضَبِّيِّ مِنَ اللؤْم أزرقُ
وقيل زرقًا، أي : عُميًا ؛ لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل : عِطاشًا ؛ لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق.
ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمسُ العرفان، فقل ينسفها ربي نسفًا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعًا صفصفًا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضًا ولا ارتفاعًا. وإنما ترى وجودًا متصلاً، وبحرًا طامسًا، ليس فيه بُعدٌ ولا قُرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر :
مَن أبصر الخلق كالسرابِ *** فقد ترقى عن الحجابِ
إلى وجود تراه رَتْقًا *** بلا ابتعاد ولا اقتراب
ولم يشاهد به سواه *** هناك يُهدى إلى الصواب
فلا خطاب به إليه *** ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق : جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحِكَم :" ما العارفُ مَنْ إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له ؛ لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا : من عرف الله كلّ لسانه، وإليه الإشارة بقوله : وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسًا . وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له : ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر ؛ لغلبة الهيبة عليهم.
قوله تعالى : يومئذ لا تنفع الشفاعة أي : في دخول الحضرة، إلا من أذن له الرحمان في التربية والترقية، ورضي له قولاً ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان.
وقوله تعالى : ولا يُحيطون به علمًا إشارة إلى عدم الإحاطة بكُنْه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنْه لم يبق لهم تَرَقِّ، وكيف ؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائمًا سرمدًا، في هذه الدار وفي تلك الدار ! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكِلُّ عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويُشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي