وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)
يَقُولُ تَعَالَى: فَلَمَّا أَتَاهَا أَيِ: النَّارَ وَاقْتَرَبَ (١) مِنْهَا، نُودِيَ يَا مُوسَى وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [الْقَصَصِ: ٣٠] وَقَالَ هَاهُنَا إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أَيِ: الَّذِي يُكَلِّمُكَ وَيُخَاطِبُكَ، فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَمَا يُؤْمَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ (٢) الْكَعْبَةَ.
وَقِيلَ: لِيَطَأَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ بِقَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ مُنْتَعِلٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: طُوًى قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ اسْمٌ لِلْوَادِي.
وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَطْفَ بَيَانٍ.
وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه.
(٢) في ف، أ: "أراد دخول".
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ قُدّس مَرَّتَيْنِ، وَطَوَى لَهُ الْبَرَكَةَ وَكُرِّرَتْ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، كَقَوْلِهِ (١) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النَّازِعَاتِ: ١٦].
وَقَوْلُهُ: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ كَقَوْلِهِ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الْأَعْرَافِ: ١٤٤] أَيْ: عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ مِنَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَانِهِ.
و [قَدْ] (٢) قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: يَا مُوسَى، أَتَدْرِي لِمَ خَصَصْتُكَ بِالتَّكْلِيمِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ؟ [قَالَ: لَا. قَالَ:] (٣) لِأَنِّي لَمْ يَتَوَاضَعْ لِي أَحَدٌ تَوَاضُعَكَ.
وَقَوْلُهُ: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى أَيِ: اسْمَعِ الْآنَ مَا أَقُولُ لَكَ وَأُوحِيهِ إِلَيْكَ
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا هَذَا أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: فَاعْبُدْنِي أَيْ: وَحِّدْنِي وَقُم بِعِبَادَتِي مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قِيلَ: مَعْنَاهُ: صَلِّ لِتَذْكُرَنِي. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ عِنْدَ ذِكْرِكَ لِي.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الثَّانِي مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "إِذَا رَقَد أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (٤).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ" (٥).
وَقَوْلُهُ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَيْ: قَائِمَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَكَائِنَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ: أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي"، يَقُولُ: لِأَنَّهَا لَا تَخْفَى مِنْ نَفْسِ اللَّهِ أَبَدًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ نَفْسِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ رَافِعٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَكَادُ أُخْفِيهَا يَقُولُ: لَا أُطْلِعُ عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْرِي.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أهل السموات وَالْأَرْضِ إِلَّا قَدْ أَخْفَى اللَّهُ عَنْهُ عِلْمَ السَّاعَةِ، وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إِنِّي أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي"، يَقُولُ: كَتَمْتُهَا عَنِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَكْتُمَهَا مِنْ نَفْسِي لَفَعَلْتُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَكَادُ أُخْفِيهَا وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي، وَلَعَمْرِي لقد أخفاها الله من
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) زيادة من ف، أ.
(٤) المسند (٣/١٨٤).
(٥) صحيح البخاري برقم (٥٩٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨٤).
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة