ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

وَقَالُوا لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مّن رَبّهِ أي قال كفار مكة : هلا يأتينا محمد بآية من آيات ربه كما كان يأتي بها من قبله من الأنبياء ؟ وذلك كالناقة والعصا، أو هلا يأتينا بآية من الآيات التي قد اقترحناها عليه ؟ فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله : أَوَ لَمْ يَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى يريد بالصحف الأولى : التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة، وفيها التصريح بنبوّته والتبشير به، وذلك يكفي، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها، وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوّته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم. وقيل : المعنى : أو لم يأتهم إهلاكنا للأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات، فما يؤمنهم إن أتتهم الآيات التي اقترحوها أن يكون حالهم كحالهم. وقيل : المراد : أو لم تأتهم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، فإنه برهان : لما في سائر الكتب المنزلة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص : أو لم تأتهم بالتاء الفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية ؛ لأن معنى البينة : البيان والبرهان، فذكروا الفعل اعتباراً بمعنى البينة، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. قال الكسائي : ويجوز :«بينة » بالتنوين. قال النحاس : إذا نوّنت بينة ورفعت جعلت «ما » بدلاً منها، وإذا نصبت فعلى الحال. والمعنى : أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى مبيناً، وهذا على ما يقتضيه الجواز النحوي وإن لم تقع القراءة به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قال النحاس : والفراء يذهب إلى أن معنى مَنْ أصحاب الصراط السوي : من لم يضلّ، وإلى أن معنى مَنِ اهتدى : من ضلّ ثم اهتدى وقيل :" من " في الموضعين في محل نصب، وكذا قال الفراء. وحكي عن الزجاج أنه قال : هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقرأ أبو رافع :" فسوف تعلمون " وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري :" السوي " على فعلى، وردت هذه القراءة بأن تأنيث الصراط شاذ وقيل : هي بمعنى الوسط والعدل اهـ.
وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ : ألم نبين لهم. كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ منَ القرون يَمْشُونَ فِي مساكنهم نحو عاد وثمود ومن أهلك من الأمم. وفي قوله : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مسَمًّى يقول : هذا من مقاديم الكلام، يقول : لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ نحوه. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : الأجل المسمى : الكلمة التي سبقت من ربك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس لَكَانَ لِزَاماً قال : موتاً. وأخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ الآية قال : هي الصلاة المكتوبة. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله : وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس قال :( قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر ) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا )، وقرأ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ * قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ). وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن عمارة بن رؤبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ). وأخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي وأبو نعيم عن أبي رافع قال :( أضاف النبيّ صلى الله عليه وسلم ضيفاً. ولم يكن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود : أن بعنا أو أسلفنا دقيقاً إلى هلال رجب، فقال : لا إلا برهن، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال :( أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأدّيت إليه، اذهب بدرعي الحديد، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ). كأنه يعزيه عن الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا )، قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله ؟ قال :" بركات الأرض " وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدريّ قال : لما نزلت : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول :( الصلاة رحمكم الله إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) [ الأحزاب : ٣٣ ]. وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ثابت، قال :( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله :( يا أهلاه صلوا صلوا )، قال ثابت : وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب بإسناد. قال السيوطي : صحيح، عن عبد الله بن سلام قال :( كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدّة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وقرأ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة الآية ).


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية